الكلمات التي لا يرغب أحد في سماعها: "ماذا سنأكل على العشاء؟
واشنطن- يُعد اتخاذ قرار بشأن وجبة العشاء تحدياً كبيراً ومصدراً للإزعاج للأسر المنشغلة التي تحاول التوفيق بين جداول زمنية فوضوية، وقيود غذائية، وارتفاع في التكاليف.
قد يبدو الأمر وكأنه لا توجد مشكلة أكبر تواجه الأسر الحديثة؛ إذ يتردد السؤال نفسه كل يوم: "ماذا سنأكل على العشاء؟"
أصبحت الجداول الزمنية أكثر فوضوية من أي وقت مضى. كما أن القيود الغذائية ووجود أفراد انتقائيين في الأكل يضطران الأسرة لإعداد أطباق متعددة. وتتزايد التكاليف، وكذلك الضغوط لمواكبة جيش من المؤثرين في مجال الطعام على وسائل التواصل الاجتماعي.
تعمل كل من كيلي ميتشل وزوجها كريغ بدوام كامل، بينما يمتلئ جدول ابنتهما -البالغة من العمر 11 عاماً- بمزيج مزدحم من دروس الرقص والمسابقات. وتتجنب كل من ميتشل وابنتها تناول الغلوتين. لذا، فإن تحديد ما يمكن تقديمه للجميع -مع مراعاة الوقت والتكلفة والمكونات المتاحة- يمثل معاناة تتكرر يومياً في حوالي الساعة 5:30 مساءً.
تقول ميتشل، التي تعمل لدى مؤسسة غير ربحية في إحدى ضواحي شيكاغو "الجزء الأصعب هو الاضطرار إلى حل هذه المشكلة مراراً وتكراراً".
كان تناول الطعام في الخارج يمثل خياراً سهلاً وبديلاً مريحاً في الليالي المزدحمة، لكن أسعار المطاعم ارتفعت بشكل كبير. وبدلاً من ذلك، الأسر ميتشل إلى الأطعمة الجاهزة للطهي وخدمات توصيل الوجبات. وأحياناً، يلجؤون إلى إعداد أطباق منوعة تحتوي على الأجبان والمكسرات والسلامي والبسكويت المالح كحل سريع ومبتكر للعشاء. قالت ميتشل: "نحاول تغيير عقليتنا، وألا نلزم أنفسنا بتوقعات تحاكي ما رأيتُ أمي تفعله".
يقضي الأميركيون مثلا الآن وقتاً أطول في المطبخ مقارنةً بأي وقت مضى خلال أكثر من 20 عاماً، وذلك وفقاً لبيانات وزارة العمل.
منذ عام 2020، أفادت حوالي نصف الأسر الأميركية بأن كلا الوالدين يعملان بدوام كامل، وذلك وفقاً لتحليل أجراه "مركز بيو للأبحاث" لبيانات مكتب التعداد السكاني الأميركي. قد تستمر الأنشطة الرياضية للشباب على مدار الساعة تقريباً؛ فحتى الأطفال الصغار يُسجَّلون في أنشطة لاصفية متعددة، ويصبح الآباء بمثابة سائقين لتوصيلهم.
تقول لورين فيتزجيرالد، الشريك الإداري في شركة "Mom Complex" (وهي شركة استشارية تساعد الشركات على تطوير منتجات وخدمات للأمهات)، إنه بحلول الساعة الرابعة عصراً في أي يوم عادي، لا يزال حوالي 80% من الأميركيين لا يعرفون ما سيتناولونه على العشاء. وأشارت إلى أن ذروة تبادل الرسائل النصية المتعلقة بالعشاء تكون في ذلك الوقت تقريباً، وذلك استناداً إلى نتائج أبحاث تُجرى مع آلاف الأسر سنوياً.
إن محاولة إيجاد وقت لتناول العشاء وسط ضغوط العمل والأنشطة الأخرى قد تشكل كابوساً لوجستياً؛ إذ تُستهلك وجبة واحدة من كل خمس وجبات داخل السيارة، حسبما ذكرت فيتزجيرالد.
وقالت "يُعد العشاء أكبر مصدر للمعاناة في حياة الأسرة العصرية".
وفي المتوسط، قضى الأميركيون الذين تبلغ أعمارهم 15 عاماً فما فوق 43 دقيقة يومياً في إعداد الطعام والتنظيف، وذلك وفقاً لبيانات المسوحات السنوية لاستخدام الوقت التي تجريها وزارة العمل.
انخفض الوقت المقضي في المطبخ بشكل حاد بعد عام 1965، لكنه بدأ في الارتفاع تدريجياً مرة أخرى مع مطلع القرن، وفقاً لسجلات تاريخية لاستخدام الوقت تحتفظ بها جامعة مينيسوتا. وقد ارتفع هذا المعدل بنحو 34% منذ أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، وهو الوقت الذي بدأت فيه وزارة العمل إجراء مسوحاتها.
ويُعد الرجال المحرك الرئيسي لجزء كبير من هذه الزيادة. لقد تضاعف الوقت الذي يقضونه في الطهي والتنظيف خلال العقدين الماضيين، إذ ارتفع من 16 دقيقة يومياً في عام 2003 ليصل إلى 31 دقيقة في العام الماضي. ولا تزال النساء يقضين وقتاً أطول بكثير في المطبخ، حيث يبلغ 55 دقيقة يومياً.
تشيد حركة "لنجعل أمريكا صحية مجدداً" (MAHA) -التي تتبناها إدارة ترامب- بفوائد الطهي المنزلي. وقد صرح وزير الصحة روبرت ف. كينيدي الابن -الذي أطلق مؤخراً برنامجاً للطهي عبر الإنترنت- بأن الأميركيين قد نسوا كيفية التسوق لشراء الطعام وإعداد الوجبات. كما أشار إلى أن الطهي وتناول الطعام معاً يُعدان وسيلة لمعالجة "الاعتلال الروحي" الذي تعاني منه البلاد.
وهناك أيضاً قائمة متزايدة من المؤثرين على الإنترنت الذين يستعرضون قطعان الدجاج في أفنية منازلهم والخبز المخبوز طازجاً، مما يزيد من الضغوط التي يشعر بها الآباء والأمهات لإعداد وجبات صحية في المنزل.
بالنسبة لبعض الآباء والأمهات، فإن تلبية احتياجات الجميع في وجبة العشاء تشعرهم وكأنهم يديرون مطعماً. ويقول آخرون إنهم ينتهي بهم المطاف بتقديم أطعمة مثل "ناجتس" الدجاج أكثر مما يودون، لأنهم لا يملكون الطاقة الكافية لخوض معارك ليلية حول وجبات قد يرفض أفراد الأسرة -ممن لديهم ذائقة صعبة في الطعام- تناولها.
في المقابل، يقول البعض إنهم نجحوا في إدارة الأمر بنجاح؛ فقد اكتسبت لوبا غولوسينسكي خبرة عملية كبيرة في التسوق بكميات كبيرة والطهي المنزلي من خلال مراقبة والدتها وهي تطعم عائلتها الكبيرة.
وتقول "من هنا جاء اهتمامي بتحضير الوجبات مسبقاً؛ فكل هذه الجهود تتراكم وتثمر في النهاية".
ولإطعام عائلتها المكونة من خمسة أفراد، تقول الممرضة المقيمة في ولاية كارولينا الجنوبية إنها تقضي ساعات في تحويل المشتريات الضخمة (من متاجر مثل "كوسكو") إلى كميات كبيرة من الشوربة والسلطة. كما تعتمد نظاماً تناوبياً لوجبات تُطهى في أجهزة الطهي البطيء -مثل اللازانيا ودجاج الترياكي- مما يوفر وجبات عشاء ساخنة بأقل قدر من الجهد.