"العملاق" رحلة نسيم حميد بين الطموح والهوية
الفيلم الوثائقي "العملاق" يستعرض مسيرة الملاكم البريطاني اليمني نسيم حميد، مركزًا على علاقته المعقدة بمدربه بريندان إنجل، وصراعات الطموح والشهرة، يجسد أمير المصري شخصية حميد، وبيرس بروسنان دور إنجل، فيما ينتج سيلفستر ستالون العمل.
لندن- يقدّم الفيلم الوثائقي الدرامي "العملاق" قراءة إنسانية وسينمائية لمسيرة أحد أكثر الملاكمين إثارة للجدل والإعجاب في تاريخ الملاكمة البريطانية، وهو الملاكم الأسطوري من أصول يمنية نسيم حميد. الفيلم لا يكتفي بتتبع البطولات والألقاب، بل يغوص عميقًا في العلاقة المعقّدة التي جمعت حميد بمدربه الشهير بريندان إنجل، في قصة تتقاطع فيها الطموحات الشخصية مع الهوية، والانتماء، وثمن الشهرة.
يجسد الممثل المصري أمير المصري شخصية نسيم حميد في مرحلة ذروة مسيرته الاحترافية، بينما يؤدي النجم العالمي بيرس بروسنان دور المدرب بريندان إنجل، في ثنائية تمثيلية تشكّل العمود الفقري للفيلم. وقد حظي العمل باهتمام لافت منذ الإعلان عنه، نظرًا لما يحمله من عناصر درامية ورياضية وإنسانية.
وحقق نسيم حميد عدة ألقاب عالمية في وزن الريشة خلال مسيرته الاحترافية الممتدة بين عامي 1992 و2002، واشتهر بأسلوبه غير التقليدي داخل الحلبة، سواء من حيث حركاته السريعة أو دفاعه المنخفض، فضلًا عن دخوله الاستعراضي الشهير إلى النزالات، والذي كان يثير حماس الجماهير ويستفز خصومه في الوقت ذاته. لم يكن حميد مجرد ملاكم ناجح، بل ظاهرة إعلامية ورياضية كسرت القوالب الكلاسيكية للملاكمة البريطانية.

ويُبرز الفيلم كيف شكّلت خلفية حميد الاجتماعية والثقافية جزءًا أساسيًا من شخصيته القتالية، إذ وُلد في عائلة يمنية مهاجرة، ونشأ في بيئة واجهت مظاهر من العنصرية والتنمر، ما جعل الملاكمة بالنسبة له أكثر من مجرد رياضة، بل وسيلة لإثبات الذات والدفاع عن الكرامة.
ويتتبع "العملاق" صعود حميد منذ بداياته المتواضعة في مدينة شيفيلد الإنجليزية، حيث يدير بريندان إنجل صالة رياضية لم تكن مجرد مكان للتدريب، بل مساحة اجتماعية تسعى إلى احتواء الشباب وإبعادهم عن مشاكل الشوارع والانحراف. وعندما قرر والدا حميد إرسال أبنائهما إلى الصالة لحمايتهم من المتنمرين، لفت نسيم، وهو في السابعة من عمره، أنظار إنجل بفضل سرعته الفائقة وخفة حركته.
ويُظهر الفيلم كيف أسهمت أساليب التدريب غير التقليدية التي اتبعها إنجل، إلى جانب موهبة حميد الفطرية، في تشكيل ملاكم استثنائي قلب موازين اللعبة. إلا أن هذا النجاح السريع وضع العلاقة بين المدرب وتلميذه أمام اختبارات قاسية، خاصة مع تصاعد الشهرة، وتدخل المال، وضغوط الإعلام.
ولا يقدّم "العملاق" العلاقة بين حميد وإنجل بوصفها قصة نجاح فقط، بل كرحلة معقّدة شابتها الخلافات وسوء الفهم، في ظل طموحين كبيرين يسعيان إلى العظمة. وفي هذا السياق، قال بيرس بروسنان خلال العرض الأول للفيلم في لندن، الأربعاء: “إنها قصة رجلين طموحين للغاية… لديهما شغف كبير ليكونا عظيمين.”
هذا البعد الإنساني يضفي على الفيلم عمقًا دراميًا، ويحوّله من مجرد عمل رياضي إلى دراسة في العلاقات البشرية، وكيف يمكن للنجاح أن يكون عامل توحيد أو سببًا للانقسام.
ويجسد الأخوان غيث وعلي صالح شخصية نسيم حميد في مرحلة الطفولة، بينما يتولى أمير المصري تجسيد الشخصية في مرحلة النجومية. وقد خضع المصري لتحضيرات مكثفة استمرت أربعة أسابيع، تدرب خلالها 12 ساعة يوميًا، وخسر نحو ثمانية كيلوغرامات من وزنه، إضافة إلى مشاهدة لقطات أرشيفية لنزالات حميد، بهدف إتقان حركاته المميزة وأسلوبه الجريء داخل الحلبة.

وقال المصري عن التجربة: “تجسيد شخصية بحجم نسيم حميد كان تحديًا هائلًا. كان أحد أبطال طفولتي، وشعرت بمسؤولية كبيرة في نقل روحه، لا مجرد تقليد حركاته.”
وأُنتج الفيلم على يد النجم العالمي سيلفستر ستالون، المعروف بشغفه بأفلام الملاكمة، فيما كتب السيناريو وأخرجه روان أتال، الذي وصف العمل بأنه: “قصة حب ممزقة بين أب وابنه”، في إشارة إلى العلاقة العاطفية والمهنية المعقدة بين إنجل وحميد.
وأضاف أتال أن إسهامات بريندان إنجل في عالم الملاكمة وفي مجتمعه المحلي كانت تستحق تسليط الضوء، مؤكدًا: “كان إنجل وحميد لامعين في مجالهما، لذا أردت أن أمنحهما فرصة متساوية في السرد.”
وحضر نسيم حميد، البالغ من العمر 51 عامًا، العرض الأول للفيلم في لندن، لكنه شدد على أنه لم يشارك في إنتاجه. وقال بصراحة: “لأكون صادقًا، هذه ليست قصة عني. إنه فيلم عن الملاكم ومدربه. لم أشارك فيه على الإطلاق، لذا فهو يحتوي على بعض الأجزاء الجيدة وبعض الأجزاء السيئة.”
وأشار حميد إلى أنه يخطط لإنتاج سلسلة وثائقية عن حياته بالتعاون مع الممثل مارك وولبرج، في خطوة قد تفتح المجال لرواية قصته من وجهة نظره الشخصية.
ويطرح "العملاق" أسئلة عن الهوية، والانتماء، وثمن النجاح، وحدود العلاقة بين المدرب وتلميذه. وهو عمل يضع الملاكمة في سياقها الإنساني والاجتماعي، ويمنح الجمهور فرصة للتعرّف على الوجه الآخر لنسيم حميد، بعيدًا عن الأضواء والاستعراض، في قصة توازن بين القوة والهشاشة، وبين الحلم والواقع.