السجاد الحريري في سمرقند… تراث يُنسج عقدة عقدة

سجاد الحرير اليدوي عمل فني متكامل يختزل مهارة النسّاج وصبره ومعرفته المتوارثة عبر الأجيال في عام من العمل المتواصل.
الاثنين 2025/12/22
نسيج متوارث

تُعدّ صناعة السجاد الحريري اليدوي من أبرز معالم التراث الحرفي في سمرقند، إحدى محطات طريق الحرير التاريخي. ويستغرق نسج السجادة عامًا كاملًا باستخدام حرير طبيعي وأصباغ نباتية، في حرفة متوارثة عبر أجيال، ما يمنحها قيمة فنية وثقافية عالمية.

سمرقند ـ تُعدّ المنتجات الحريرية التقليدية إحدى العلامات الفارقة لمدينة سمرقند الأوزبكية، المدينة التي شكّلت على مدى قرون محطة مركزية على طريق الحرير التاريخي، وملتقى للتجارة والثقافات والفنون القادمة من الشرق والغرب. ولا يزال الحرير، حتى اليوم، يحمل في خيوطه حكاية هذه المدينة العريقة، مجسّدًا إرثًا حرفيًا نادرًا يقاوم النسيان في عصر التصنيع السريع.

وتتجلّى قيمة هذا الإرث بشكل خاص في سجاد الحرير اليدوي، الذي يُعدّ من أكثر المنتجات الفنية تعقيدًا ودقة، إذ يستغرق نسجه ما لا يقل عن عام كامل من العمل المتواصل. فكل سجادة ليست مجرد قطعة زينة، بل عمل فني متكامل، تُختزل فيه مهارة النسّاج، وصبره، ومعرفته المتوارثة عبر الأجيال.

وعُرفت سمرقند تاريخيًا بأنها مركز للعلم والمعرفة، وموطن للمدارس والمراصد، لكنها اشتهرت أيضًا بصناعاتها الحرفية الدقيقة، وعلى رأسها نسج الحرير. ولا يكاد يخلو برنامج أي سائح يزور المدينة من جولة في الأسواق والورش التي تُنتج السجاد الحريري والأقمشة المزخرفة والأوشحة التقليدية، حيث تتحوّل عملية الشراء إلى تجربة ثقافية حيّة.

ويُعدّ “مصنع سمرقند بخارى للسجاد الحريري” من أبرز الوجهات التي تستقطب الزوار، ليس فقط لاقتناء السجاد، بل لمتابعة مراحل صناعته عن قرب. ففي أروقته، يمكن للزائر أن يشاهد النسّاجين وهم يعملون على الأنوال الخشبية التقليدية، مستعيدين تقنيات لم تتغير كثيرًا منذ مئات السنين، في مشهد يربط الحاضر بالماضي.

ويعتمد المصنع في صناعة سجادِه على الحرير الطبيعي والصوف فقط، دون اللجوء إلى أي مواد صناعية، سواء في الخيوط أو في الأصباغ. وتُستخدم مواد طبيعية بالكامل في تلوين الخيوط، مثل النباتات والجذور وقشور الأشجار، ما يمنح السجاد ألوانًا دافئة وثابتة. وتستغرق عملية الصباغة ما بين 20 دقيقة إلى ساعة، تبعًا لنوع المادة المستخدمة ودرجة اللون المطلوبة.

عامٌ كامل من العمل المتواصل يختبئ خلف سجادة واحدة، لتخرج قطعة فنية تُجسّد روح سمرقند وتراثها العريق.

وقبل أن تبدأ عملية النسج، يُعدّ “الرسم التخطيطي” أو المخطط الأساسي للسجادة، وهو بمثابة خريطة دقيقة للعمل، حيث تمثل كل نقطة فيه عقدة واحدة. ويُحدَّد في هذا الرسم عدد العقد، وألوانها، ومواقعها بدقة متناهية، ما يجعل أي خطأ في التنفيذ كفيلًا بإفساد العمل بأكمله.

وتحتاج سجادة حريرية متوسطة الحجم، تبلغ مساحتها نحو أربعة أمتار مربعة، إلى عام كامل من النسج المتواصل. ويحتوي الصف الواحد في هذا النوع من السجاد على نحو ألف و145 عقدة، وكلما زاد عدد العقد في السجادة، ارتفعت قيمتها الفنية والمادية، باعتبار أن كثافة العقد تعكس مستوى المهارة والدقة المبذولة في إنجازها.

ولا تزال هناك طرق تقليدية يعتمد عليها الحرفيون والخبراء للتحقق من أن السجاد مصنوع يدويًا من الحرير الطبيعي، من بينها ملمس الخيوط، وعمق اللون، وشكل العقد، إضافة إلى طريقة انعكاس الضوء على سطح السجادة، وهي تفاصيل يصعب تقليدها في المنتجات الصناعية.

محمد نبي سوات توردي، ابن أحد مؤسسي المصنع، يؤكد أن صناعة السجاد ليست مجرد مهنة بالنسبة لأسرته، بل أسلوب حياة متوارث منذ خمسة أجيال. ويشير إلى أن المصنع، الذي تأسس عام 1991، يعمل فيه حاليًا نحو 450 عاملًا، معظمهم من أبناء المنطقة الذين تعلّموا الحرفة منذ سن مبكرة.

ويكشف توردي أن أسرار صبغ الحرير والصوف لا تزال محفوظة لدى والده، البالغ من العمر 85 عامًا، والذي يُعدّ المرجع الأهم في هذا المجال. ويقول مبتسمًا: “أنا لا أعرف سوى 60 في المئة من أسرار هذه العملية، ووالدي يمازحني دائمًا قائلاً: لا تزال شابًا يا بني، لديك متسع من الوقت لتعلّم الأربعين في المئة المتبقية”.

وتعكس هذه الحكاية طبيعة الحرف التقليدية في سمرقند، حيث لا تُختصر المعرفة في كُتب أو كتيّبات، بل تُنقل شفهيًا ومن خلال الممارسة اليومية، ما يجعل الحفاظ عليها تحديًا حقيقيًا في عالم سريع التغيّر.

ورغم التحديات، لا تزال صناعة السجاد الحريري في سمرقند صامدة، مدفوعة بشغف الحرفيين واهتمام السياح والجامعين من مختلف أنحاء العالم، لتبقى هذه المدينة شاهدة على أن طريق الحرير لم يكن مجرد مسار تجاري، بل طريقًا للفن والذاكرة والهوية.

12