الذكاء الاصطناعي يمنح السيارات الكهربائية عيونا رقمية
مع دخول تقنيات الذكاء الاصطناعي مرحلة جديدة تتجاوز المحادثات النصية والأوامر الصوتية، تعمل غوغل على إعادة تعريف العلاقة بين السائق والسيارة عبر اختبار نظام جيميني داخل السيارات الكهربائية، في خطوة قد تمثل واحدة من أكبر التحولات في أنظمة القيادة الذكية خلال السنوات المقبلة.
كاليفورنيا (الولايات المتحدة) – في عرض تقني أقيم بمقر غوغل في ماونتن فيو بولاية كاليفورنيا، استعرضت الشركة بالتعاون مع فولفو نموذجًا أوليًا يتيح للسيارة “رؤية” العالم الخارجي والإجابة عن أسئلة السائق.
وسيتم ذلك استنادًا إلى ما تلتقطه الكاميرا الأمامية في الزمن الحقيقي، وهو تطور ينقل المساعدات الذكية من مرحلة الاستماع إلى مرحلة الفهم البصري للبيئة المحيطة.
وأثبت العرض التجريبي أن الذكاء الاصطناعي قادر بالفعل على منح السيارات “عينًا رقمية” تفهم الطريق وتفسر ما يحدث خارجه.
ولكن النجاح التجاري لهذه الفكرة لن يتحدد بقدراتها التقنية وحدها، بل بمدى اقتناع السائقين بأن هذه العين موجودة لمساعدتهم، لا لمراقبتهم.
ويشير هذا التطور إلى توجه جديد في صناعة السيارات، حيث لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد وسيلة لتشغيل الموسيقى أو إدارة المكالمات أو التحقق من المواعيد، بل أصبح قادرًا على تحليل المشهد أمام السيارة وتقديم معلومات فورية تساعد السائق أثناء القيادة، دون الحاجة إلى استخدام الهاتف المحمول.
العرض التجريبي أظهر أن النظام يعكس تطورا في قدرة الذكاء الاصطناعي على فهم البيئة المحيطة وليس مجرد التقاط الصور
واعتمد العرض الذي قدمته غوغل على سيارة فولفو إي.إكس 60 الكهربائية، التي أزاحت الستار عنه الشركة السويدية في يناير الماضي، حيث ظهرت لافتة طريق باللغة البرتغالية أثناء القيادة.
وبدلاً من أن يلتقط السائق هاتفه لترجمتها، اكتفى بسؤال السيارة عن مضمونها، ليقوم نظام جيميني بقراءة اللافتة والإجابة مباشرة.
ولم يقتصر الأمر على ترجمة النصوص، إذ تمكن النظام من التعرف على معالم حقيقية ظهرت أمام السيارة، من بينها العمل الفني المعروف باسم “الكرة”، والسقف الشمسي لمبنى “المظلة المتدرجة”، إضافة إلى مدرج “شورلاين”، مقدّمًا معلومات دقيقة عنها بطريقة حوارية وطبيعية.
وبحسب منصة “غادجيت ريفيو”، يبرز في العرض أن النظام لم يكتف بالإشارة إلى وجود مبانٍ أو معالم، بل قدم أسماءها وسياقها، بما يعكس تطورًا في قدرة الذكاء الاصطناعي على فهم البيئة المحيطة وليس مجرد التقاط الصور.
ولطالما اعتمدت أنظمة المساعدة داخل السيارات على الأوامر الصوتية، حيث تقتصر وظائفها غالبًا على التحكم في الملاحة، وتشغيل الوسائط، والرد على الاتصالات، أو إدارة بعض وظائف السيارة.
أما مع نظام جيميني، فإن غوغل تسعى إلى إدخال مفهوم جديد يمكن وصفه بـ”الذكاء الاصطناعي المرئي”، إذ يصبح النظام قادرًا على رؤية ما يراه السائق والإجابة عن أسئلة مرتبطة بالمشهد الخارجي.
ويمثل ذلك تحولًا نوعيًا في تجربة القيادة، خصوصًا في البيئات غير المألوفة، إذ يمكن للنظام تفسير إشارات المرور بلغات أجنبية، أو التعرف على المباني والمعالم السياحية، أو تقديم معلومات عن الأماكن المحيطة دون أن يضطر السائق إلى تشتيت انتباهه أو استخدام هاتفه.

ورغم الإمكانات الكبيرة التي يحملها النظام، فإن غوغل حرصت خلال العرض على التأكيد أن تشغيل الكاميرا لا يتم بشكل دائم، بل يُفعّل فقط عندما يطرح السائق سؤالًا يتطلب تحليل المشهد الخارجي.
ووفق الشركة، يبدأ بث الكاميرا عند تلقي السؤال، ثم يتوقف مباشرة بعد تقديم الإجابة، في محاولة لتقليل المخاوف المتعلقة بالمراقبة المستمرة أو جمع البيانات البصرية دون علم المستخدم.
كما تؤكد غوغل أن استخدام الميزة يعتمد بالكامل على موافقة السائق، وهو ما تصفه بأنه نموذج قائم على “الإذن المسبق” وليس على التسجيل الدائم.
وهذه الضمانات لا تبدد جميع المخاوف، خاصة أن الشركة واجهت خلال السنوات الماضية تدقيقًا تنظيميًا في عدد من الأسواق بشأن سياسات جمع البيانات واستخدامها، ما يجعل ملف الخصوصية عاملاً حاسمًا في قبول المستخدمين لهذه التقنية عند طرحها تجاريًا.
ويرى خبراء القطاع أن نجاح النظام لن يعتمد فقط على دقة الذكاء الاصطناعي، وإنما أيضًا على قدرة الشركات المطورة على إقناع المستخدمين بأن الكاميرا لا تتحول إلى أداة مراقبة دائمة داخل السيارة.
ولا تبدو هذه التقنية مشروعًا منفصلًا، بل تأتي ضمن إستراتيجية غوغل لتوسيع حضور جيميني داخل منظومة أندرويد أوتو وأنظمة السيارات الذكية.
غوغل اختارت سيارة فولفو إي.إكس 60 موديل 2026 لتكون منصة اختبار، وهي سيارة كهربائية تتميز بمواصفات تقنية لافتة
ويشير العرض التجريبي إلى أن الشركة تعمل على دمج الذكاء الاصطناعي في مختلف جوانب تجربة القيادة، بحيث يصبح المساعد الرقمي أكثر فهمًا للسياق الذي يتحرك فيه السائق، وليس مجرد منفذ للأوامر الصوتية.
ويعتبر كثير من المحللين أن ما قدمته غوغل يمثل معاينة مبكرة لخارطة الطريق المستقبلية، أكثر منه منتجًا جاهزًا للإطلاق، خصوصًا أن الشركة لم تحدد موعدًا رسميًا لطرح الميزة، كما لم تؤكد إدراجها في النسخة الإنتاجية من السيارة.
واختارت غوغل سيارة فولفو إي.إكس 60 لتكون منصة اختبار لهذه التقنية، وهي سيارة كهربائية مرتقبة تعوّل عليها الشركة السويدية لتعزيز حضورها في سوق المركبات الذكية.
وتتميز السيارة بمواصفات تقنية لافتة، أبرزها مدى قيادة يصل إلى نحو810 كيلومترات وفق تقديرات الشركة، إضافة إلى دعم الشحن السريع بقدرة 400 كيلوواط، ما يسمح بإضافة نحو 340 كيلومترًا من المدى خلال عشر دقائق فقط.
وتصف فولفو السيارة بأنها الأكثر ذكاءً في تاريخها، غير أن ميزة جيميني البصرية لا تزال ضمن مرحلة العرض التوضيحي، ولم تؤكد الشركة اعتمادها في النسخة النهائية المخصصة للبيع.
وتكمن القيمة الحقيقية لهذه التقنية في قدرتها على حل مشكلات يومية تواجه السائقين، خصوصًا أثناء السفر إلى دول أجنبية أو القيادة في أماكن غير مألوفة.
وبفضل هذه التكنولوجيا يصبح بإمكان السيارة قراءة اللافتات، وشرح الإشارات، والتعرف على المعالم، وتقديم المعلومات في الوقت المناسب، وكل ذلك دون أن يرفع السائق يده عن المقود.
لكن في المقابل، فإن إدخال الكاميرا والذكاء الاصطناعي إلى قلب تجربة القيادة يفتح بابًا واسعًا للنقاش حول حماية الخصوصية، وآليات حفظ البيانات، وحدود استخدام الصور والمشاهد التي تلتقطها السيارة.
ومن هنا، تبدو المعادلة التي تواجه غوغل واضحة؛ فكلما ازدادت قدرة السيارة على فهم العالم المحيط، ازدادت الحاجة إلى بناء منظومة شفافة تكسب ثقة المستخدمين.