الديباج الدمشقي يروي حكاية التراث والفن المعاصر

كل لوحة في المعرض تحمل آيات قرآنية وجزءا من حكاية، لتتكامل اللوحات الثماني في تشكيل رسائل فنية متحركة، تصور في مناسبات مختلفة مشاهد رمزية للأراضي الفلسطيني.
الثلاثاء 2026/06/09
رسالة سلام وجمال عالمي

في معرض "الديباج الدمشقي" تتحول خيوط الذهب والفضة إلى لوحات نابضة بالحياة، حيث يمزج سيف الدين حمود بين التراث السوري والفن التشكيلي، ليصوغ أزياء ومنسوجات تحمل رسائل سلام وجمال، ويعيد للبروكار الدمشقي مكانته كرمز عالمي للهوية والإبداع.

دمشق – ينسج المعرض التراثي للمصمم والفنان التشكيلي سيف الدين حمود لوحةً إبداعيةً فريدة تجمع بين أصالة التراث السوري وجماليات الفن المعاصر، من خلال مزج قماش الديباج الدمشقي (البروكار) العريق بفنون تصميم الأزياء والرسم التشكيلي وإبداعات الخرز، في تجربة بصرية وثقافية متكاملة يحتضنها المركز الثقافي العربي في العدوي ضمن فعاليات أسبوع التراث اللامادي الذي تنظمه وزارة الثقافة السورية.

يحمل المعرض عنوان “الديباج الدمشقي (البروكار)” ويأتي كتحية فنية لذاكرة دمشق التي لطالما كانت مركزًا للحرف اليدوية الراقية، ومهدا لصناعة النسيج الفاخر الذي زيّن قصور الشرق والغرب على حد سواء. ومن خلال هذا المعرض يسعى حمود إلى إعادة الاعتبار للبروكار الدمشقي بوصفه رمزًا للهوية الثقافية السورية، ووسيلة للتعبير الفني تتجاوز حدود الزمان والمكان.

شهد المعرض احتفاءً بثماني لوحات يدوية، إضافة إلى مجموعة من الأزياء والمنسوجات والقطع الفنية التي صنعت بإتقان من أيادٍ محترفة، حيث قدّمت الأعمال رسائل بصرية متعددة عبر تقنيات التطريز والخرز وشكّ النول، لتروي حكايات الأنبياء والسردية السورية، وتعرض مهارات الحرفيين الذين ورثوا هذه الصنعة عبر الأجيال.

وفي تصريح لوكالة الأنباء السورية (سانا)، أوضح حمود أن المعرض جزء من مشروعه الفني الذي بدأه قبل ثلاثة عشر عامًا، كمتحف متنقل يحمل رسائل عالمية للسلام، مشيرًا إلى أن أعماله السابقة شملت نسخة من المصحف الشريف مشغولة بالخرز بطول 15 مترًا وعرض 45 مترًا، إلى جانب أكثر من 5000 لوحة و912 فستانًا تعبر عن رموز دينية وتراثية عالمية.

pp

وأكد حمود أن كل لوحة في المعرض تحمل آيات قرآنية وجزءا من حكاية، لتتكامل اللوحات الثماني في تشكيل رسائل فنية متحركة، تصور في مناسبات مختلفة مشاهد رمزية للأراضي الفلسطينية، وحنظلة، ومفتاح بيت المقدس، ولوحة لعروسين فلسطينيين، وغيرها من الرموز التي تجمع بين الفن والالتزام الإنساني.

ويعود عشق حمود للبروكار الدمشقي إلى كونه من أفخر أنواع الأقمشة في العالم، يُصنع من خيوط الذهب والفضة والحرير الطبيعي، وكانت دمشق على مدى قرون مركزًا عالميًا لصناعته، إذ ارتبط اسمها بأشهر الحرفيين الذين نقلوا هذه الصناعة إلى أوروبا في القرن التاسع عشر. لذلك احتوى المعرض على الزي الدمشقي التقليدي بصبغة فرنسية، رمزًا لتفضيله عالميًا، إلى جانب زيين آخرين من الألبسة التراثية المعروفة التي تعكس تنوع الأزياء السورية عبر العصور.

وطالب حمود بزيادة الاهتمام بهذا الفن الدمشقي كجزء من الهوية الوطنية والتراث اللامادي السوري، داعيًا إلى دعم الفنانين والحرفيين الذين يسعون للحفاظ على هذه الحرفة ونسجها على الأنوال اليدوية، لضمان استمراريتها كموروث إنساني عالمي.

من جانبها أشارت مصممة الأزياء ليلى طبانة إلى أهمية إحياء التراث اللامادي السوري عبر مثل هذه المعارض، التي تشجع الإبداع وتفتح المجال أمام إدخال الحداثة على الأزياء التقليدية دون المساس بجوهرها، معتبرة أن الدمج بين الأصالة والتجديد هو الطريق الأمثل للحفاظ على هوية الأزياء السورية في مواجهة العولمة الثقافية.

ويُعد سيف الدين حمود من الأسماء البارزة في المشهد التشكيلي السوري، إذ يجمع في أعماله بين الحرفة الهندسية والدقة الجمالية، معتمدًا على خامات تراثية كالخرز والبروكار الدمشقي، ومستلهمًا من الرموز الدينية والإنسانية ما يمنح أعماله بعدًا فلسفيًا وروحيًا. وقد نظم عدة معارض، منها “لوحات قرآنية” و”السلام بألوان سورية”، تضمّنت رمزية انتصار الروح السورية على الألم، وجسدت فكرة الفن كأداة مقاومة ثقافية.

pp

ويأتي هذا المعرض في سياق أوسع من الجهود الوطنية لإحياء التراث اللامادي السوري، الذي يشمل الحرف التقليدية والفنون الشعبية والموسيقى والرقص، ويهدف إلى صون الذاكرة الثقافية من الاندثار. فدمشق، التي كانت عبر التاريخ مركزًا للحضارة العربية والإسلامية، لا تزال تحتفظ بكنوزها الفنية التي تشهد على عبقرية الإنسان السوري في تحويل المادة إلى جمال ومعنى.

وفي هذا الإطار يشكل معرض “الديباج الدمشقي” نموذجًا للتكامل بين الفن التشكيلي والحرفة اليدوية، حيث تتحول الأقمشة إلى لوحات ناطقة بالرموز، وتصبح الخيوط الذهبية والفضية وسيلة للتعبير عن القيم الروحية والجمالية. كما يعكس المعرض رؤية فنية معاصرة تسعى إلى إعادة تعريف العلاقة بين التراث والحداثة، بين الأصالة والتجريب، في زمن تتسارع فيه التحولات الثقافية.

إن تجربة حمود الفنية تفتح الباب أمام نقاش أوسع حول دور الفن في حفظ التراث، وكيف يمكن للفنان أن يكون وسيطًا بين الماضي والمستقبل، بين الذاكرة والابتكار، فالبروكار الدمشقي، الذي كان يومًا ما زينة لملوك أوروبا وشرقها، يعود اليوم في صيغة فنية جديدة تحمل رسالة سلام وجمال من دمشق إلى العالم.

وبين خيوط الذهب والفضة، وبين الألوان التي تتراقص على القماش، تتجلى روح المدينة التي لا تزال تنسج من تراثها ما يدهش العالم، لتؤكد أن الفن السوري، رغم كل التحديات، قادر على أن يظل مرآةً للهوية ونافذةً على الأمل.

12