التلفزيون الكندي الرسمي يرفض وصف أحداث 11 سبتمبر بـ"الإرهاب"
واشنطن- اندلعت موجة واسعة من الغضب في كندا وخارجها بعد تسريب مذكرة داخلية صادرة عن هيئة الإذاعة الكندية (CBC)، التلفزيون والإذاعة الرسميين الممولين من دافعي الضرائب.
المذكرة، التي وجهت إلى الصحفيين والمحررين في جميع منصات الأخبار التابعة للهيئة، تذكرهم بـ"التوجيه اللغوي الطويل الأمد" بعدم وصف أحداث 11 سبتمبر 2001 بـ"هجمات إرهابية".
نص المذكرة، التي كشف عنها أولاً الكاتب وارن كينسيلا في صحيفة "تورونتو صن"، يقول بصراحة "لا تشيروا إلى هجمات 11 سبتمبر كهجمات إرهابية". بدلاً من ذلك، يُفضل وصف الأحداث بأن "عمليات الاختطاف أدت إلى تحطم طائرات ركاب في واشنطن العاصمة وبنسلفانيا ومانهاتن. وتدمير مركز التجارة العالمي".
توقيت المذكرة ليس عشوائياً. فهي تأتي قبيل الذكرى الخامسة والعشرين للهجمات التي أودت بحياة نحو 3000 شخص، ونفذتها تنظيم القاعدة بقيادة أسامة بن لادن. الهجمات شملت تحطيم طائرتين في برجي مركز التجارة العالمي، وواحدة في البنتاغون، وأخرى في حقل ببنسلفانيا بعد مقاومة الركاب.
هذه الحقائق التاريخية معروفة عالمياً، وتصنفها معظم الحكومات والمؤسسات، بما فيها الحكومة الكندية التي أدرجت القاعدة كمنظمة إرهابية، على أنها أعمال إرهاب.
لكن هيئة الإذاعة الكندية تدافع عن سياستها بشدة. وقالت المتحدثة باسم الشؤون العامة كيري كيلي إن الادعاء بأن الصحفيين طُلب منهم القول إن الهجمات "ليست إرهاباً" غير دقيق تماماً. وأوضحت أن المذكرة مجرد تذكير بسياسة قديمة تفضل استخدام كلمتي "إرهابي" و"إرهاب" مع الإسناد إلى مصادر موثوقة، لأن هذه الكلمات "محملة بالمعاني والسياسة والعواطف" وقد تعيق العمل الصحفي.
وأشارت إلى مدونة سابقة لمدير التحرير العام برودي فينلون عام 2023، حيث أكد أن هيئة الإذاعة الكندية لا تصنف بنفسها جماعات أو أعمالاً محددة كإرهاب، بغض النظر عن المنطقة أو الحدث، حفاظاً على الحياد.
السياسة ليست جديدة تماماً. في دليل اللغة الداخلي للهيئة، يُنصح بتجنب وصف هجمات مثل تلك التي وقعت في لندن 2005 أو مدريد 2004 أو حتى 11 سبتمبر بـ"هجمات إرهابية" ما لم تُسند إلى مصدر. الهدف المعلن هو تجنب التناقض في التغطية، وعدم تصنيف حدث ما كإرهاب بينما يوصف آخر مشابه بمجرد "تفجير" أو "هجوم".
لكن هذه الحجة لم تقنع الكثيرين. ردود الفعل جاءت غاضبة وسريعة. النائبة المحافظة راشيل توماس قالت إن رفض وصف الأحداث بالإرهاب "يهين الضحايا وعائلاتهم والناجين والمستجيبين الأوائل الذين شهدوا أهوال ذلك اليوم".
ووصف كينسيلا، الذي كان مستشاراً ليبرالياً سابقاً، الأمر بأنه سخيف، مشيراً إلى أن الإرهاب هو استخدام العنف لتحقيق أهداف سياسية أو دينية أو أيديولوجية، وهو ما ينطبق تماماً على 11 سبتمبر.
وكتب براين ليلي في "إدمونتون صن" أن هذا ليس حياداً بل عبثية، متسائلاً كيف يمكن الوثوق بهيئة إعلامية عامة ترفض تسمية أوضح حالات الإرهاب في التاريخ الحديث.
الجدل يتجاوز الذكرى السنوية. يذكر كثيرون تغطية هيئة الإذاعة الكندية لأحداث 7 أكتوبر 2023 في إسرائيل، حيث واجهت انتقادات مماثلة لتجنبها وصف هجمات حماس بالإرهاب في كثير من الحالات.
ويرى النقاد أن السياسة تخلق ازدواجية معايير: فهي تتجنب المصطلح في سياقات معينة بينما تستخدم لغة أكثر حدة في أخرى، مما يثير شكوكاً حول الانحياز الأيديولوجي.
ويعكس هذا الجدل توترات أعمق في الإعلام الغربي المعاصر حول اللغة والسلطة والحياد. في عصر الاستقطاب الشديد، أصبحت الكلمات أدوات سياسية. بعض المؤسسات الإعلامية، مثل بي.بي.سي أو نيويورك تايمز في بعض السياقات، تتبنى نهجاً مشابهاً في تجنب التصنيفات المباشرة. الحجج المؤيدة تركز على أن الصحفي يجب أن يصف الحقائق ويترك الحكم للقارئ أو للمسؤولين. أما المنتقدون فيرون أن تجنب كلمة "إرهاب" في حالة 11 سبتمبر ليس حياداً بل تمييعاً للحقيقة، خاصة أن القانون الجنائي الكندي نفسه يعرّف الإرهاب بطريقة تنطبق بوضوح على تلك الهجمات: أعمال عنف لأغراض سياسية أو دينية أو أيديولوجية.
الغضب ليس مقتصراً على اليمين. حتى أصوات ليبرالية سابقة انضمت إلى الانتقاد، معتبرة أن هذا التوجه يساهم في تآكل الثقة بالإعلام العام.
وتتلقى هيئة الإذاعة الكندية تمويلاً كبيراً من الحكومة، ويُنظر إليها كممثلة للصوت الوطني. عندما تبدو وكأنها تتردد في تسمية هجمات أسفرت عن آلاف الضحايا وتغيرت معها السياسة العالمية بـ"إرهاب"، يشعر كثير من الكنديين بأن الهيئة تبتعد عن الجمهور الذي تمولها.
في المقابل، يحذر مؤيدو السياسة من أن الإفراط في استخدام المصطلح قد يجعله فارغاً أو مسيساً، خاصة في النزاعات المعقدة حيث يختلف تعريف "الإرهاب" حسب الطرف. لكن في حالة 11 سبتمبر، التي اعترف بها الجناة أنفسهم كعمل جهادي ضد أميركا، يصعب القول إن المصطلح "مثير للجدل" حقاً.