التسامح في العصر الرقمي: معركة ضد الكراهية
لندن - لم يعد التسامح في المجتمعات العربية مجرد قيمة أخلاقية يجري الاحتفاء بها في المناسبات، بل يتحول تدريجياً إلى قضية مرتبطة بالأمن الاجتماعي، في ظل بيئة رقمية أعادت تشكيل طريقة الناس في التعبير والاختلاف والتفاعل. فوسائل التواصل الاجتماعي فتحت مجالاً واسعاً للحوار وتبادل الأفكار، لكنها في الوقت نفسه منحت خطاب الكراهية والاستقطاب قدرة غير مسبوقة على الانتشار والوصول إلى جمهور واسع خلال وقت قصير.
وفي السابق، كان انتشار خطاب متطرف أو تحريضي يحتاج إلى منبر أو وسيلة إعلام قادرة على الوصول إلى الجمهور. أما اليوم، فقد يكفي منشور أو مقطع قصير أو تعليق مستفز حتى يتحول إلى مادة متداولة على نطاق واسع، مدفوعة بخوارزميات تكافئ في كثير من الأحيان المحتوى الأكثر إثارة للانتباه والتفاعل.
وهنا تتغير طبيعة المعركة. فالمشكلة لم تعد فقط في وجود خطاب الكراهية، وإنما في البيئة التي تسمح له بالانتشار وإعادة الإنتاج، وفي قدرة هذا الخطاب على استثمار الخلافات الدينية والطائفية والعرقية والسياسية وتحويلها إلى صراعات رقمية قد تنتقل آثارها إلى المجتمع الواقعي.
كان الاختلاف في المجتمعات جزءاً طبيعياً من الحياة العامة، لكن المنصات الرقمية جعلته أكثر سرعة واحتكاكاً. فالمستخدم لا يواجه فقط رأياً مخالفاً، وإنما قد يجد نفسه داخل دوائر مغلقة من الأشخاص الذين يتشاركون الأفكار نفسها ويعيدون تداولها بصورة مستمرة.
الصحافة المهنية تستطيع أن تمنح القضايا الحساسة مساحة للنقاش، بدلاً من تحويلها إلى مواجهات بين هويات متصارعة
ومع الوقت، يمكن لهذه البيئة أن تعزز الاستقطاب، إذ يصبح المختلف خصماً لا شريكاً في النقاش، ويتحول الحوار من محاولة لفهم الرأي الآخر إلى محاولة لإسكاته أو التشكيك في نواياه وهويته.
وتزداد المشكلة عندما تتحول القضايا الحساسة إلى محتوى قصير منفصل عن سياقه. فالتعليق المقتطع أو الصورة المجتزأة أو المقطع الذي يفتقد خلفيته يمكن أن يخلق انطباعات حادة يصعب تصحيحها بعد انتشارها.
لذلك فإن الدفاع عن التسامح في البيئة الرقمية لا يعني إلغاء الاختلاف أو فرض خطاب واحد، وإنما حماية مساحة الاختلاف من التحول إلى كراهية، والتمييز بين حرية التعبير والتحريض على الآخرين.
تكمن خطورة خطاب الكراهية في أنه لا يبقى بالضرورة داخل الفضاء الإلكتروني. فعندما تتكرر الصور النمطية والإهانات والتحريض ضد جماعة دينية أو طائفية أو عرقية، يمكن أن تسهم في إنتاج مناخ اجتماعي أكثر توتراً، خصوصاً عندما تتزامن مع أزمات سياسية أو اقتصادية أو أمنية.
ومن هنا يكتسب التسامح بعداً يتجاوز الجانب الأخلاقي. فالمجتمع الذي تتراجع فيه القدرة على الحوار يصبح أكثر عرضة للاستقطاب، بينما يؤدي انتشار خطاب الكراهية إلى إضعاف الثقة بين مكوناته.
وهذا ما يجعل مواجهة الكراهية جزءاً من الوقاية الاجتماعية، وليس فقط استجابة لمحتوى مخالف. فالمطلوب ليس انتظار تحول الخطاب المتطرف إلى أزمة، وإنما بناء قدرة مجتمعية على احتوائه مبكراً.
يحتفظ الإعلام بدور مهم في هذه المعركة، لكنه يواجه في الوقت نفسه تحدياً خاصاً. فالمؤسسات الإعلامية تعمل داخل بيئة تنافس فيها المنصات على السرعة والمشاهدة والتفاعل، وقد يصبح المحتوى الأكثر إثارة أكثر قدرة على جذب الجمهور من المحتوى المتوازن.
غير أن مسؤولية الإعلام لا تقتصر على تجنب خطاب الكراهية، بل تشمل أيضاً تقديم سياق يساعد الجمهور على فهم الخلافات بعيداً عن التعميم والتخويف. فالصحافة المهنية تستطيع أن تمنح القضايا الحساسة مساحة للنقاش، بدلاً من تحويلها إلى مواجهات بين هويات متصارعة.
كما أن التحقق من المعلومات أصبح جزءاً من حماية السلم الاجتماعي. فالإشاعة التي تستهدف جماعة معينة قد تكون أكثر خطورة من خبر كاذب عادي، لأنها تستثمر في مشاعر الخوف والانقسام وتبحث عن خصم اجتماعي واضح.
يمكن النظر إلى التسامح باعتباره جزءاً من الأمن الاجتماعي: ليس لأنه يلغي الخلاف، وإنما لأنه يمنع الخلاف من التحول إلى انقسام
لا يمكن للإعلام وحده أن يحمل مسؤولية مواجهة الكراهية. فالتعليم يمثل خط الدفاع الأول في بناء ثقافة الاختلاف، خصوصاً من خلال تعليم الأجيال الجديدة أن قبول الآخر لا يعني الاتفاق معه، وأن الاختلاف يمكن أن يكون مصدراً للنقاش وليس سبباً للعداء.
وتملك المؤسسات الدينية بدورها مساحة مهمة في إعادة تقديم خطاب يواجه التعصب ويشجع على الحوار، خصوصاً مع انتقال جزء كبير من النقاش الديني إلى المنصات الرقمية. فالمواجهة لم تعد تجري داخل المساجد أو المؤسسات التعليمية فقط، وإنما في فضاء مفتوح يستطيع فيه المؤثرون وأصحاب الخطابات المتشددة الوصول مباشرة إلى الشباب.
ولهذا يصبح تطوير خطاب ديني ورقمي أكثر قدرة على التفاعل مع الأسئلة الجديدة ضرورة، بدلاً من ترك المجال لمن يقدمون إجابات مبسطة وحادة على قضايا معقدة.
التحدي الحقيقي أمام المجتمعات العربية ليس القضاء على الاختلاف، وهو أمر غير ممكن ولا مطلوب، وإنما منع تحول الاختلاف إلى قطيعة، والجدل إلى تحريض، والنقد إلى كراهية.
وفي العصر الرقمي، يصبح التسامح مهارة اجتماعية تحتاج إلى تدريب وممارسة، وليس مجرد شعار. ويتطلب ذلك إعلاماً أكثر مسؤولية، وتعليماً يعزز التفكير النقدي، ومؤسسات دينية قادرة على مخاطبة الجيل الرقمي، ومنصات أكثر حساسية تجاه المحتوى التحريضي.
وفي النهاية، فإن معركة التسامح لا تجري فقط ضد خطاب الكراهية، بل ضد البيئة التي تجعل الكراهية أكثر جاذبية وانتشاراً من الحوار. وكلما أصبح المجتمع أكثر قدرة على إدارة اختلافاته، أصبح أكثر قدرة على حماية تماسكه.
لذلك يمكن النظر إلى التسامح اليوم باعتباره جزءاً من الأمن الاجتماعي: ليس لأنه يلغي الخلاف، وإنما لأنه يمنع الخلاف من التحول إلى انقسام، ويمنح المجتمعات فرصة للحفاظ على الحوار حتى في أكثر لحظاتها توتراً.