البحرين.. حين يتحول التسامح إلى قوة ناعمة

المنامة تراهن على التعايش الديني وحوار الحضارات لبناء حضور دولي يتجاوز حجمها الجغرافي
الأربعاء 2026/09/02
منصة تعمل على نشر ثقافة التعايش والتسامح

المنامة - في منطقة مثقلة بالصراعات والانقسامات والهويات المتنافسة، تحاول البحرين تقديم رواية مختلفة عن نفسها؛ دولة صغيرة المساحة، لكنها تراهن على قيمة يصعب قياسها بالأرقام التقليدية للقوة: التسامح والتعايش الديني.

فبالنسبة إلى المنامة، لم يعد الحديث عن التعايش بين الأديان والثقافات مجرد شأن اجتماعي أو خطاب احتفالي، بل أصبح جزءاً متزايد الوضوح من أدوات الحضور الدولي. ومن خلال المؤسسات والمبادرات والجوائز والشراكات العابرة للحدود، تعمل المملكة على تحويل رصيدها التاريخي في التنوع الديني والثقافي إلى شكل من أشكال القوة الناعمة.

وهنا يبرز السؤال: كيف يمكن لدولة أن تحول التسامح من قيمة مجتمعية إلى أداة تأثير وحضور في عالم تحكمه الصراعات؟

وتمتلك البحرين مجتمعاً متعدد المكونات، كما تضم دور عبادة تعكس حضوراً دينياً وثقافياً متنوعاً. ويكفل الدستور البحريني حرية الضمير وحرمة دور العبادة وحرية ممارسة الشعائر الدينية، ضمن الأطر القانونية المعمول بها.

لكن القيمة السياسية لهذا التنوع لا تكمن في وجوده وحده، بل في كيفية تقديمه وإدارته وتحويله إلى رسالة تتجاوز الحدود الوطنية.

ومن هنا جاء إنشاء مركز الملك حمد العالمي للتعايش والتسامح، الذي أصبح إحدى أبرز الأدوات المؤسسية التي تستخدمها البحرين لتوسيع حضورها في ملفات الحوار بين الأديان والثقافات ومواجهة خطاب الكراهية وتعزيز التفاهم بين المجتمعات.

ويقدم المركز نفسه بوصفه منصة تعمل على نشر ثقافة التعايش والتسامح، عبر برامج تعليمية وشبابية وشراكات دولية، في محاولة للانتقال من الخطاب العام إلى بناء شبكة علاقات ومبادرات ذات امتداد عالمي.

وهنا تحديداً يبدأ التحول من التسامح بوصفه قيمة داخلية إلى التسامح بوصفه رصيداً دبلوماسياً.

أحدث تجليات هذا التوجه جاء مع إطلاق الدورة الأولى من جائزة الملك حمد للتعايش والتسامح، وفتح باب الترشح أمام الأفراد والمؤسسات من مختلف دول العالم.

ولا تبدو الجائزة مجرد مبادرة رمزية، بل جزءاً من محاولة منح البحرين موقعاً مؤسسياً في النقاش العالمي حول التعايش وحوار الحضارات. فهي تستهدف تكريم المبادرات والأعمال التي تقدم إسهامات في ترسيخ ثقافة التسامح والاحترام المتبادل وإحداث أثر مستدام في المجتمعات.

وتكشف هذه الخطوة عن تحول مهم في طبيعة المقاربة البحرينية. فبدلاً من الاكتفاء بتنظيم فعاليات داخلية أو مؤتمرات دورية، يجري بناء أدوات ذات طابع دولي يمكن أن تستقطب مؤسسات وشخصيات من خارج المنطقة.

وبهذا المعنى، تتحول الجائزة إلى وسيلة لإنتاج شبكة عالمية مرتبطة بالمنامة في ملف التعايش.

وهي إحدى آليات القوة الناعمة الأكثر فاعلية؛ إذ لا تقوم على فرض النفوذ، بل على بناء الجاذبية والعلاقات وتقديم الدولة باعتبارها منصة لملف إنساني يحظى باهتمام دولي واسع.

ولا تقتصر المقاربة البحرينية على المؤسسات المحلية.

فخلال الأشهر الماضية، وسع مركز الملك حمد العالمي للتعايش والتسامح شراكاته الدولية، ونظم مؤتمراً دولياً حول التعايش والتنوع الديني بالتعاون مع جمهورية قبرص، في إطار توجه واضح نحو بناء جسور مع مؤسسات دينية وثقافية خارج المنطقة.

وتحمل هذه الشراكات أهمية تتجاوز مضمون الفعاليات نفسها.

مركز الملك حمد العالمي للتعايش والتسامح يقدم نفسه منصة تعمل على نشر ثقافة التعايش والتسامح، عبر برامج تعليمية وشبابية

فالحوار الديني والثقافي يفتح للدول مساحات تواصل قد لا توفرها القنوات السياسية التقليدية. ويمكن أن يجمع رجال دين ومؤسسات مدنية وجامعات ومراكز أبحاث وشخصيات ثقافية من دول متباعدة سياسياً.

وهنا يصبح التسامح لغة دبلوماسية موازية.

لا يحل الخلافات السياسية بالضرورة، لكنه يوفر قنوات للحوار ويمنح الدولة مساحة للحضور في قضايا عالمية تتصل بالسلام والاستقرار والتفاهم بين المجتمعات.

وتزداد أهمية هذا الرهان في عالم يشهد تصاعداً في خطاب الكراهية والاستقطاب الديني والثقافي.

فالحروب والنزاعات السياسية كثيراً ما تعيد إنتاج الانقسامات الهوياتية، بينما ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي في تسريع انتشار الخطابات المتطرفة والمعلومات التي تستهدف الجماعات على أساس ديني أو ثقافي.

وفي مواجهة هذا المناخ، تحاول البحرين تقديم نفسها باعتبارها منصة للحوار لا طرفاً في الانقسام.

وقد احتضنت المملكة في مطلع العام فعاليات مرتبطة باليوم الدولي للتعايش السلمي، بمشاركة مسؤولين ودبلوماسيين وممثلين عن الأمم المتحدة وقيادات دينية ومؤسسات مجتمع مدني، في تأكيد على توسيع دائرة الحوار لتشمل أطرافاً دولية متعددة.

كما حصلت البحرين على اعتراف من موسوعة غينيس بشأن كثافة دور العبادة التابعة لأديان مختلفة، وهو إنجاز جرى تقديمه رسمياً باعتباره مؤشراً على التنوع الديني وجهود المملكة في دعم التعايش والحريات الدينية.

وهذه التفاصيل، على أهميتها الرمزية، تدخل في صناعة صورة دولية تحاول البحرين ترسيخها: دولة خليجية قادرة على الجمع بين هويتها الإسلامية والانفتاح على التعدد الديني والثقافي.

ما الذي تكسبه البحرين؟

لا يمكن فصل القوة الناعمة عن المصالح الوطنية. فالدول تستثمر في الثقافة والتعليم والرياضة والفنون والحوار الإنساني لأنها تدرك أن النفوذ لا يصنع بالقوة العسكرية والاقتصادية وحدها.

وبالنسبة إلى البحرين، يمنح الاستثمار في التعايش عدة مكاسب محتملة.

أولها تعزيز الصورة الدولية للمملكة بوصفها شريكاً في ملفات السلام والحوار. وثانيها بناء علاقات مع مؤسسات دينية وثقافية ومدنية دولية يصعب الوصول إليها عبر الأدوات السياسية التقليدية وحدها.

أما المكسب الثالث، فهو منح الدولة دوراً في نقاش عالمي يتجاوز الجغرافيا الخليجية، ويمنحها قدرة أكبر على التأثير الرمزي.

لكن تحويل التسامح إلى قوة ناعمة يظل مرتبطاً بقدرته على الانتقال من المؤسسات والفعاليات إلى الممارسة اليومية.

فالصورة الدولية لا يمكن أن تستمر اعتماداً على المؤتمرات والجوائز وحدها. والقوة الناعمة الأكثر استدامة هي التي تستند إلى تجربة داخلية يمكن الدفاع عنها وتطويرها باستمرار.

ولهذا، فإن التحدي لا يتمثل فقط في تنظيم مزيد من الفعاليات الدولية، بل في ربط خطاب التعايش بالتعليم والثقافة والشباب ومواجهة خطاب الكراهية وتعزيز المشاركة المجتمعية.

وقد بدأ مركز الملك حمد العالمي للتعايش والتسامح بالفعل في توسيع اهتمامه ببرامج الشباب والقيادة ومناهضة خطاب الكراهية، في مؤشر إلى إدراك أن التعايش لا يمكن أن يبقى خطاباً للنخب وحدها.

في النهاية، لا يبدو أن البحرين تنظر إلى التسامح الديني باعتباره مجرد فضيلة أخلاقية، رغم أهمية هذا البعد، بل باعتباره أيضاً مصدراً محتملاً للقوة والتأثير.

ففي عالم تتراجع فيه الثقة بين المجتمعات وتتقدم فيه الانقسامات، تصبح القدرة على بناء جسور الحوار رصيداً سياسياً ودبلوماسياً.

ومن مركز عالمي إلى جائزة دولية، ومن برامج الشباب إلى الشراكات مع مؤسسات دينية وثقافية خارج المنطقة، تحاول المنامة بناء حضور خاص بها في هذا المجال.

وربما تكمن قوة هذه المقاربة في أنها لا تنافس الدول الأخرى في أدوات النفوذ التقليدية، بل تبحث عن مساحة مختلفة: التأثير عبر الجاذبية، وبناء العلاقات عبر الحوار، وتحويل التعايش إلى لغة دولية للحضور البحريني.