الإفطار على خط التماس: حين تتحول كرة القدم إلى مساحة للتسامح الديني
لندن- في السنوات الأخيرة لفتت بعض المشاهد في الملاعب الأوروبية انتباه المتابعين، حين يتوقف اللعب للحظات قصيرة كي يتمكن اللاعبون المسلمون الصائمون من الإفطار خلال مباريات كرة القدم التي تتزامن مع وقت الإفطار في شهر رمضان. هذه اللحظات الصغيرة، التي قد تبدو تفصيلا تقنيّا في تنظيم المباريات، تحمل في الواقع دلالات ثقافية واجتماعية أعمق، وتكشف جانبا مهمّا من طبيعة المجتمعات الأوروبية المعاصرة، خاصة ما تعلق منها بقيم التسامح الديني والتعدد الثقافي.
شهدت مسابقات كبرى في أوروبا مثل مباريات في الدوري الإنجليزي الممتاز والدوري الألماني لكرة القدم والدوري الفرنسي لكرة القدم مواقف متكررة سمح فيها الحكام بتوقف قصير في اللعب عند الإفطار كي يتناول اللاعبون الصائمون جرعة ماء أو تمرة قبل استئناف المباراة. وفي أحيان كثيرة، بادر بعض اللاعبين أنفسهم إلى إبعاد الكرة عن الملعب عمدا حتى يتيحوا لزملائهم الصائمين فرصة الإفطار.
من أبرز الأسماء التي لفتت الانتباه في هذا السياق لاعبون مسلمون بارزون مثل محمد صلاح ورياض محرز (قبل انتقاله إلى السعودية) وبول بوغبا، إذ كثيرا ما صادفت مباريات فرقهم توقيت الإفطار خلال شهر رمضان، ما دفع الحكام والمنظمين إلى إظهار قدر من المرونة في إدارة المباراة بما يسمح بمراعاة شعائرهم الدينية دون الإخلال بقواعد اللعبة.
◄ اللاعبون المسلمون أنفسهم لعبوا دورا مهمّا في هذا التحول. فنجوميتهم في الملاعب الأوروبية جعلتهم وجها مألوفا لدى الجماهير، وساهمت في تغيير الكثير من الصور النمطية
هذه الممارسة لم تأتِ من فراغ، بل تعكس تطورا أوسع في فهم المؤسسات الرياضية الأوروبية لدورها الاجتماعي. فالرياضة في أوروبا لم تعد مجرد منافسة بدنية أو نشاط ترفيهي، بل تحولت أيضا إلى فضاء رمزي يعكس القيم التي ترغب المجتمعات في ترسيخها، مثل احترام التنوع والاعتراف بالاختلافات الثقافية والدينية.
ومن هذا المنظور يمكن النظر إلى السماح للاعبين الصائمين بالإفطار خلال المباريات بوصفه تطبيقا عمليّا لفكرة التعددية الثقافية. فالملاعب الأوروبية اليوم تضم لاعبين من خلفيات دينية وعرقية متعددة، ومعظم الأندية الكبرى تعتمد على نجوم قادمين من أفريقيا وآسيا والشرق الأوسط. وبالتالي فإن تجاهل الخصوصيات الدينية لهؤلاء اللاعبين لم يعد خيارا واقعيا، سواء من الناحية الأخلاقية أو حتى من الناحية المهنية.
كما أن هذه الخطوة تعكس فهما أوروبيّا متزايدا لفكرة “التسامح الإجرائي”، أي التسامح الذي يتحول من مجرد خطاب نظري إلى ممارسات مؤسساتية ملموسة. فالتسامح هنا لا يعني فقط قبول وجود الآخر المختلف، بل يعني أيضا تهيئة الظروف التي تسمح له بممارسة معتقداته دون أن يتعرض للتهميش أو الإقصاء.
ومن اللافت أن هذه المبادرات غالبا ما تأتي في سياق بيئة قانونية وثقافية تعطي أهمية كبيرة لحرية المعتقد. فالقيم التي تشكلت في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، والتي كرستها مواثيق مثل الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، جعلت احترام التنوع الديني جزءا من الثقافة العامة في المؤسسات، بما في ذلك المؤسسات الرياضية.
غير أن هذا المشهد لا يخلو من جدل. فبعض الأصوات في أوروبا ترى أن إدخال اعتبارات دينية إلى الملاعب قد يفتح الباب أمام مطالب مشابهة من جماعات أخرى، ما قد يؤدي إلى تعقيد إدارة المباريات أو تسييس الرياضة. بينما يرى آخرون أن هذه المخاوف مبالغ فيها، لأن التوقف القصير للإفطار لا يختلف عمليا عن توقفات كثيرة تحدث أصلاً أثناء المباريات بسبب الإصابات أو التبديلات أو مراجعة تقنية الفيديو.
وفي الواقع، تعامل الكثير من الحكام مع الأمر بمرونة بسيطة دون الحاجة إلى قواعد جديدة. ففي العديد من المباريات يتم استغلال توقف طبيعي في اللعب بعد غروب الشمس ليأخذ اللاعبون الصائمون بضع ثوانٍ للإفطار، وهو ما يجعل العملية أقرب إلى إجراء عملي غير رسمي أكثر منه تغييرا جذريا في قوانين اللعبة.
◄ في أحيان كثيرة، بادر بعض اللاعبين أنفسهم إلى إبعاد الكرة عن الملعب عمدا حتى يتيحوا لزملائهم الصائمين فرصة الإفطار
كما أن اللافت في هذه المشاهد هو تفاعل الجماهير واللاعبين الآخرين معها. ففي الكثير من الحالات يصفق الجمهور عندما يتوقف اللعب لإفطار اللاعبين الصائمين، في تعبير رمزي عن التضامن والاحترام. وهذا يعكس بدوره كيف يمكن للرياضة أن تصبح مساحة للتقارب الثقافي بدل أن تكون ساحة للتوتر.
ومن زاوية أخرى، يمكن النظر إلى هذه الظاهرة باعتبارها انعكاسا للتحولات الديمغرافية في أوروبا نفسها. فوجود ملايين المسلمين في المجتمعات الأوروبية جعل من الصعب التعامل مع الإسلام بوصفه دينا “خارجيّا” أو بعيدا عن الحياة العامة. ومع مرور الوقت، بدأت المؤسسات المختلفة -ومنها الرياضة- تتكيف مع هذا الواقع الاجتماعي الجديد.
اللاعبون المسلمون أنفسهم لعبوا دورا مهمّا في هذا التحول. فنجوميتهم في الملاعب الأوروبية جعلتهم وجها مألوفا لدى الجماهير، وساهمت في تغيير الكثير من الصور النمطية. فعندما يشاهد ملايين المشجعين لاعبا مثل محمد صلاح يسجل الأهداف ثم يفطر على عجل قبل استئناف المباراة، فإن هذا المشهد يخلق نوعا من الألفة الثقافية ويجعل الممارسة الدينية تبدو جزءا طبيعيا من الحياة اليومية.
لكن في المقابل، يطرح بعض المراقبين سؤالا أعمق: هل يعكس هذا التسامح الرياضي تحولا حقيقيّا في المجتمعات الأوروبية، أم أنه يظل محصورا في إطار الرياضة التي تملك تقاليد خاصة من الانفتاح والتعددية؟
فالرياضة كثيرا ما كانت سبّاقة إلى تجاوز الانقسامات العرقية والدينية مقارنة بمجالات أخرى من الحياة العامة. وقد حدث الأمر نفسه في الماضي مع قضايا التمييز العنصري، حيث لعبت الملاعب دورا مهمّا في تعزيز قيم المساواة قبل أن تنتقل هذه القيم إلى مجالات اجتماعية وسياسية أوسع.
وبهذا المعنى، يمكن النظر إلى السماح للاعبين الصائمين بالإفطار خلال المباريات باعتباره مؤشرا صغيرا لكنه دالّ على قدرة المجتمعات الأوروبية على التكيف مع التنوع الديني. فهو يعكس فكرة بسيطة لكنها عميقة: أن احترام الاختلاف لا يتطلب تغييرات جذرية دائما، بل قد يبدأ أحيانا بإيماءة إنسانية صغيرة داخل ملعب كرة قدم.
وفي نهاية المطاف، فإن هذه اللحظات القصيرة التي يتوقف فيها اللعب ليشرب لاعب ماءً أو يأكل تمرة قد تحمل دلالة رمزية أكبر بكثير من مدتها الزمنية. فهي تذكّر بأن الرياضة ليست مجرد منافسة على الأهداف والنقاط، بل هي أيضا مساحة يلتقي فيها البشر على اختلاف ثقافاتهم ومعتقداتهم، ويكتشفون أن التعايش ممكن حتى في أكثر اللحظات حماسا وتنافسا.