الأمن القومي تحول إلى سلاح ضد الصحافة
باسم الأمن القومي، يُلاحَق صحفيون ويُسجنون ويُراقَبون ويُجبرون على سلك طريق المنفى، بل ويُقتلون أحياناً. وتسلط منظمة "مراسلون بلا حدود" الضوء على مفهوم الأمن القومي وكيف تجاوز إلى أبعد مدى حدود وظيفته الأصلية ليغدو أداةً لقمع الصحافة في شتى أنحاء العالم.
باريس- يجري بصورة متزايدة تحريف مفهوم الأمن القومي عن غايته الأصلية لتجريم الصحافة، حيث تُستخدم قوانين وُضعت لمكافحة المساس بالدفاع الوطني ضد صحفيين ينشرون معلومات تندرج في إطار المصلحة العامة.
وتشكل النزاعات المسلحة أرضاً خصبة لتوظيف الأمن القومي في سبيل السيطرة على تدفق المعلومات؛ فباسم حماية العمليات العسكرية أو الوحدة الوطنية، تُقيِّد الحكومات وصول الصحفيين إلى مناطق الحرب، وتفرض سرديات إعلامية تتماهى مع الخطاب الرسمي، وتحد من الوصول إلى المعلومات، إذ تتعدد الأمثلة وتتنوع في هذا الصدد، من فلسطين إلى السودان مرورا بإثيوبيا وروسيا.
وتغدو حرية الصحافة مهدَّدة حين تتحول التدابير الاستثنائية المعتمدة باسم الأمن القومي إلى قواعد دائمة. فقد تظل حالات الطوارئ وقوانين مكافحة الإرهاب وغيرها من التدابير الاستثنائية ساريةً زمنا طويلاً بعد انقضاء الأزمات التي بررتها، بما يفضي إلى تقييد مستدام لحرية الصحافة. ففي كشمير الهندية، على سبيل المثال، ظل الصحفي فهد شاه رهن الاحتجاز قرابة عامين نتيجة اللجوء المتعاقب إلى عدة قوانين أمنية.
وباتت تهم الإرهاب أو الإشادة بالإرهاب من أبرز أدوات القمع باسم الأمن القومي. ففي بلدان كثيرة، يُساوى الصحفيون الذين يحققون بشأن النزاعات أو القوات المسلحة أو الجماعات المسلحة بالإرهابيين أو المتطرفين، كما هو حال الصحفية الفلبينية فرينشي ماي كومبيو التي حُكم عليها بتهمة “تمويل الإرهاب”، أو الصحفي البنيني هوغ كوملان سوسوكبي الذي استُهدف بدوره تحت ستار التعاون الأمني ومكافحة الإرهاب.
◄ مقتل الصحفي الكازاخستاني أيدوس ساديكوف، الذي كان منفيا في أوكرانيا بعد اتهامه بتهديد مصالح بلده، يجسد تصاعد هذا النمط من القمع
إن غياب تعريف ثابت للأمن القومي يُعرّض الصحفيين للخطر، إذ يختلف معنى “الأمن القومي” إلى حد كبير من بلد إلى آخر، في حين تعمل دول كثيرة على توسيع نطاقه، علماً أن هذه المناطق الرمادية، التي تشمل الأمن السيبراني والتضليل والدعاية والصحة العامة والقضايا البيئية، تتيح للحكومات ملاحقة الصحفيين بسبب تغطياتهم لقضايا تتجاوز بكثير المسائل العسكرية.
وحتى في زمن السلم تُوظَّف ذريعة الأمن القومي في عرقلة التحقيقات الصحفية وإخضاع الصحفيين لمراقبة تعسفية، إذ باتت التحقيقات المتعلقة بالقضايا العسكرية أو الدبلوماسية أو الدفاعية تُعامل بصورة متزايدة بوصفها اعتداءات على المصالح الجوهرية للدولة، كما هو الحال في فرنسا، حيث وُضعت أريان لافريو قيد الاحتجاز عقب كشفها عن عملية “سيرلي” العسكرية السرية بين فرنسا ومصر.
ولا تقتصر المراقبة التعسفية للصحفيين على الأنظمة السلطوية، بل تمتد إلى الديمقراطيات أيضاً. فبينما تملك الصين أكثر منظومات المراقبة تطوراً في العالم، وتحتجز أكبر عدد من الصحفيين، تتزايد في الديمقراطيات عمليات التجسس غير القانوني على الفاعلين الإعلاميين، الذين استُهدف منهم ما لا يقل عن 13 ببرنامج التجسس بريداتور في اليونان، وذلك في قضية باتت تُعتبر أكبر فضيحة تجسس تطال أهل المهنة داخل الاتحاد الأوروبي. وفي تشيلي، خضع الصحفي الاستقصائي ماوريسيو وايبل باراهونا لمراقبة غير قانونية بعد تحقيقه في قضايا فساد داخل الجيش.
كما يُوظَّف الأمن القومي في تقييد التغطية الصحفية لقضايا تندرج في إطار المصلحة العامة، مثل البيئة والصحة. فالصحفيون الذين يحققون في التلوث أو الموارد الطبيعية أو الأزمات الصحية يتعرضون للملاحقة بموجب تشريعات أمنية، إذ يُحتجز الصحفي الهندي روبش كومار سينغ بموجب قانون متعلق بمكافحة الإرهاب على خلفية تحقيقه في تداعيات التلوث الصناعي.
ويتخطى التوظيف التعسفي للأمن القومي الحدود الوطنية. فبعد مرور 25 عاماً على “الحرب العالمية على الإرهاب” التي قادتها الولايات المتحدة، باتت السياسات التي تكرّس التجاوزات في مجال الأمن القومي تنتشر على نطاق متزايد دولياً. فألهمت التشريعات القمعية المتعلقة بـ”العملاء الأجانب”، التي رسّختها روسيا، قوانين مماثلة في بلدان عدة، فيما يُستنسخ تدريجيا النموذج الصيني للسيطرة على الإنترنت، الذي يجسده الجدار الناري العظيم، في فيتنام وبورما وكمبوديا لتعزيز الرقابة باسم الأمن القومي.
وبات الأمن القومي ذريعة لتبرير القمع العابر للحدود. فباسم مكافحة “أعداء الدولة” تلاحق الأنظمة السلطوية الصحفيين في المنفى عبر أحكام غيابية وطلبات تسليم وحملات تضييق وتهديدات تستهدف أقاربهم، بل ومحاولات اغتيال. ويجسد مقتل الصحفي الكازاخستاني أيدوس ساديكوف، الذي كان منفيا في أوكرانيا بعد اتهامه بتهديد مصالح بلده، تصاعد هذا النمط من القمع.
ودعت “مراسلون بلا حدود” إلى إعادة إرساء ضوابط ديمقراطية لمواجهة هذا التوظيف المتزايد للأمن القومي. وتوصي المنظمة، على وجه الخصوص، بوضع تعريف دقيق ومُحدِّد للأمن القومي، وحماية سرية المصادر، وإخضاع صلاحيات المراقبة لضوابط، ومنع الاستخدام التعسفي لقوانين مكافحة الإرهاب ضد الصحفيين، وتعزيز الآليات الدولية لحماية حرية الصحافة.
وتقول آن بوكندي، مديرة التحرير في منظمة “مراسلون بلا حدود”، “لا يمكن أن يتحول الأمن القومي إلى ذريعة تُتيح للحكومات الفرصة لإسكات الصحفيين. فكل ملاحقة تعسفية، وكل احتجاز مجحف، وكل قانون يُحرَّف عن غايته ويُستخدم ضد الصحافة، لا يضعف حرية الإعلام فحسب، بل يقوّض أيضا حق المواطنين والمواطنات في الوصول إلى المعلومات. ذلك أن حكومات مختلف البلدان، السلطوية منها والديمقراطية، باتت تتعلم من بعضها بعضا كيفية توظيف أدوات الدولة الأمنية لمنع الصحفيين من إنجاز التحقيقات. الانحراف أصبح ممتدا على نطاق عالمي، مُبرزا أنه أضحى من المُلح إعادة التأكيد على أن الصحافة لا تشكل أبدا تهديدا للدولة، بل هي في الواقع ضمانة أمام التعسف”.