اعتقل.. رحل.. واربح النقاط: البيت الأبيض يحول مطاردة المهاجرين إلى ترفيه
واشنطن- في خطوة أثارت جدلاً واسعاً، أطلقت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب الخميس سلسلة من الألعاب الإلكترونية بأسلوب الأركيد الكلاسيكي على الموقع الرسمي للبيت الأبيض. تهدف هذه الألعاب إلى الترويج لأولويات الإدارة، وعلى رأسها سياسات الهجرة المتشددة، بما في ذلك مطاردة المهاجرين غير الشرعيين وترحيلهم وبناء الجدار الحدودي.
تبرز لعبتان بشكل خاص في هذا السياق. الأولى "ريو رن Rio Run"، المستوحاة من لعبة "سنايك Snake" الشهيرة، حيث يتحكم اللاعب في شخصية تمثل توم هومان، مسؤول ملف الحدود في الإدارة، أو رجل أبيض مسن يرتدي ربطة عنق زرقاء، وهو يدور على طول نهر ريو غراندي على الحدود مع المكسيك. يُطلب من اللاعب "الدوريات على الخط" و"التقاط كل عابر" لتحقيق أعلى رصيد من عمليات الترحيل. عند الإمساك بالشخصيات، التي تظهر بألوان بشرة متنوعة (سمراء أو سوداء أو بيضاء)، تتحول فجأة إلى زي برتقالي (زي السجناء) وتتبع اللاعب.
أما اللعبة الثانية، " بيلد ذي وول Build the Wall"، فتستلهم "تترس Tetris"، ويُطلب من اللاعب رص الطوب لبناء الجدار الحدودي و"الصمود في الموقع" أمام ما تصفه اللعبة بـ"حصار حدودي تشنه كائنات الزومبي" أو "الحشد القادم".
إلى جانب هاتين اللعبتين، تتضمن المنصة ألعاباً أخرى تروج لحسابات "ترامب" الادخارية للأطفال، وسياسة "اجعل أمريكا صحية مجدداً" (MAHA)، وتحليق نسر فوق العاصمة.
أعلنت البيت الأبيض عن المبادرة عبر حسابها على منصة إكس برسالة "لا تتوقف عن اللعب Can't stop winning"، مشيرة إلى بناء الجدار والترحيل وملء حسابات ترامب. ودافعت الإدارة عن الخطوة قائلة إنها "تبرز التباين بين ثقافة المرح والفوز" ورؤية الديمقراطيين التي وصفتها بـ"الاشتراكية القاتمة"، وتسعى إلى سرد إنجازات الرئيس بطريقة تصل إلى كل الأميركيين.
غير أن هذه الألعاب لم تمر دون انتقادات حادة من جماعات حقوق الإنسان. قالت أميري غارسيا غريوال، المديرة المشاركة في منظمة "فرونتيرا فيدرايشن" في تكساس، لوكالة فرانس برس "يُثير اشمئزازي. لقد لعبوا بحياة الناس لسنوات، والآن يصنعون لعبة فيديو من أفعالهم". واعتبرت منظمات أخرى أن تحويل عمليات الترحيل والاعتقال إلى ترفيه ينزع الصفة الإنسانية عن المهاجرين، ويحول معاناة بشرية معقدة إلى نقاط في لعبة.
يأتي هذا الإطلاق في سياق حملة ترحيل مكثفة تنفذها الإدارة في ولايتها الثانية، مع زيادة عمليات الاعتقال من قبل وكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك.
كما يندرج ضمن استراتيجية أوسع تستخدم الإدارة فيها الميمات وألعاب الفيديو والرموز الثقافية الشعبية، مثل هالو أو بوكيمون سابقاً، للترويج لسياساتها واستهداف جماهير شابة عبر المنصات الرقمية.
وتعكس هذه الخطوة تحولاً في التواصل السياسي الرسمي. فبدلاً من البيانات التقليدية، يلجأ البيت الأبيض إلى أدوات الترفيه الرقمي لجعل السياسات مثيرة وجذابة، خاصة بين الشباب.
لكن هذا النهج يحمل مخاطر. فتصوير المهاجرين كـ"عابري حدود" يتحولون إلى سجناء، أو كـ"زومبي" يهاجمون الحدود، يعزز سرداً يختزل الهجرة في التهديد والأمن فقط، متجاهلاً الأبعاد الإنسانية والاقتصادية والاجتماعية.
كما يثير تساؤلات حول استخدام موارد حكومية رسمية (موقع البيت الأبيض) في محتوى يشبه الدعاية الحزبية أو الحملة الانتخابية.
في المقابل، يرى مؤيدو الإدارة أن الألعاب مجرد وسيلة مبتكرة لتوضيح سياسات ناجحة في نظرهم، مثل تأمين الحدود، وأن النقد يعكس حساسية مفرطة من الجانب الديمقراطي. ومع ذلك، يبقى السؤال مفتوحاً حول حدود استخدام المؤسسات الحكومية في الترفيه السياسي، ومدى تأثير مثل هذه الرموز على الرأي العام.