استقالة وزيرة الثقافة المصرية.. قضية حقيقية أم أداة لإشغال الرأي العام؟

التاريخ الإعلامي المصري شهد قضايا "درامية" صغيرة نسبيّا استحوذت على الاهتمام العام في أوقات الأزمات.
الاثنين 2026/07/13
قضية الكتب والجدل

تبقى استقالة جيهان زكي حدثا حقيقيا له أبعاد قانونية وأخلاقية. لكن حجم الاهتمام الإعلامي به يثير تساؤلا مشروعا: هل تُستغل هذه القضية لفتح نقاش مجتمعي حقيقي حول النزاهة والمحاسبة، أم تستخدم كغطاء يُبعد الأنظار عن التحديات الأكبر؟

القاهرة- يقف الرأي العام المصري، بمختلف أوساطه الثقافية والشعبية، أمام سابقة قانونية وسياسية نادرة في المشهد الحكومي المعاصر، تمثلت في تقديم وزيرة الثقافة الدكتورة جيهان زكي استقالتها وقبولها الفوري من رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، مشيدا بجهودها خلال فترة توليها المنصب التي لم تتجاوز 146 يوما تقريبا.

وجاءت هذه الخطوة غداة صدور حكم قضائي نهائي وبات من محكمة النقض برفض طعن الوزيرة وتأييد إدانتها بـ”التعدي على حقوق الملكية الفكرية والسرقة الأدبية” لكتاب الكاتبة سهير عبدالحميد، مع إلزامها بسحب كتابها من الأسواق ودفع تعويض مالي.

وانقسم الرأي العام المصري، خاصة على وسائل التواصل الاجتماعي وفي الأوساط الثقافية، حول القضية. ويرى كثيرون أن الاستقالة تمثل انتصارا نادرا لسيادة القانون ومبدأ المساءلة، حتى لو كانت القضية شخصية. ويعتقد ناشطون أن تعيين شخص مدان بحكم نهائي في منصب حساس مثل وزارة الثقافة سيكون خطأً، وأن الاستقالة السريعة تعكس احترام المؤسسات.

◄ الوزيرة اختارت الاستقالة لترفع الحرج عن الحكومة، وهو ما يعكس احتراما للقضاء وليس إلهاءً

في الوقت نفسه يتساءل الكثيرون عن “الازدواجية” في المعايير؛ لماذا استقالت وزيرة الثقافة بسبب “كتاب” بينما يستمر آخرون في مناصبهم رغم شبهات أكبر مثل اتهامات بتزييف شهادات أو فساد؟ أثار الأمر مقارنات حادة مع وزير التعليم وغيره، مع اتهامات بـ”المحسوبية” في التعيينات الحكومية.

وسيطرت القضية على الترند في مصر. وبينما يعاني المواطن من ارتفاع الأسعار وصعوبات المعيشة، أصبح الحديث عن “سرقة كتاب” و”كاتب ظل” و”استقالة شرفية” هو الشغل الشاغل للصحافة ومواقع التواصل. هذا التركيز الإعلامي الكبير دفع البعض إلى القول إن القضية تُستغل لتحويل الانتباه عن ملفات أكثر إلحاحاً مثل الاقتصاد أو التعليم أو الخدمات العامة.

يستند الرأي الذي يرى في القضية “إلهاءً” إلى عدة نقاط، أولاها أن قصر فترة الوزيرة جعل الاستقالة حدثا دراميا مناسبا للإعلام، كما أن الطبيعة الثقافية للقضية تجعلها أقل حساسية سياسيا من ملفات أخرى، في حين أنها تسمح بإثارة جدل عام يبدو ديمقراطيا ويستخدم مصطلحات مثيرة وبراقة على غرار: قضاء، ملكية فكرية، نزاهة. بالإضافة إلى ذلك ظهرت مقارنات سريعة مع وزراء آخرين لم يُحاسبوا رغم تعلق المسائل بشبهات أكبر، ما يفتح نقاشا جانبيا يُلهي دون أن يمس جوهر السلطة. وكتب ناشط في هذا السياق:

ودخلت وجوه إعلامية معروفة على خط الجدل لتضيف إثارة إلى القضية. وكتب الصحفي مصطفى بكري “لقد ذُبحت جيهان زكي بعيدًا عن القضية.. خاضوا في شخصها وأسرتها.. أي معركة يجب أن تُخاض بشرف”، في إشارة إلى أخيها حسام زكي الأمين العام المساعد لجامعة الدول العربية.

كما دعا الكاتب الصحفي محمد الباز إلى لجنة علمية محايدة لإعادة تقييم كتاب وزيرة الثقافة السابقة.

وسخر حساب في هذا السياق:

وعاد بكري ليكتب تغريدة جاء فيها:

 

في المقابل رفض معلقون نظرية المؤامرة وأكدوا أن القضية جاءت بشكل طبيعي. الحكم القضائي كان باتاً، والوزيرة اختارت الاستقالة لترفع الحرج عن الحكومة، وهو ما يعكس احتراما للقضاء وليس إلهاءً. وسلط ناشطون الضوء على منابر الإخوان التي استغلت القضية لتعزيز سردية “الفشل والفساد”، لكن الاستقالة السريعة والرسمية حولتها إلى دليل على “عمل المؤسسات” بدلاً من “فضيحة النظام”.

وقال خبراء إن “هذا التحرك الاستباقي قلل كثيراً من قدرة الجماعة على الاستثمار طويل الأمد في الحدث، وأعاد التوازن لصالح رواية الدولة”.

وسواء كانت مقصودة أم غير مقصودة، فقد نجحت القضية في إشغال جزء كبير من الرأي العام. وامتلأت المنصات بتحليلات أدبية وقانونية ومقارنات سياسية، بينما تراجع الحديث عن قضايا معيشية يومية. وهذا النمط ليس جديدا؛ فالتاريخ الإعلامي المصري شهد قضايا “درامية” صغيرة نسبيا استحوذت على الاهتمام العام في أوقات الأزمات.

5