اتحاد جدة.. من الملعب إلى صناعة السينما والإعلام
جدة – لم تعد الأندية الرياضية السعودية تريد أن تبقى حاضرة فقط خلال التسعين دقيقة التي تستغرقها المباراة. نادي الاتحاد يفتح باباً جديداً، هذه المرة نحو السينما والتلفزيون وصناعة المحتوى، في خطوة تعكس اتساع الدور الذي بدأت الرياضة تلعبه داخل صناعة الترفيه والإعلام في السعودية.
النادي أعلن شراكة استراتيجية طويلة الأمد مع شركة «تلفاز11» المتخصصة في إنتاج المحتوى، لتطوير وإنتاج أفلام ومسلسلات وأعمال ترفيهية رياضية موجهة إلى الجمهور في السعودية والمنطقة وخارجها. ولا تتوقف الفكرة عند إنتاج أعمال تتحدث عن كرة القدم، إذ يمكن أن يظهر النادي في القصة باعتباره جزءاً من المكان أو الذاكرة أو حياة الشخصيات، بما يجعل العلامة الرياضية نفسها جزءاً من صناعة سردية أوسع.
واللافت أن المشروع تجاوز مرحلة الإعلان؛ فقد بدأ العمل بالفعل على أول مشروعين، فيما أنشأ الاتحاد استوديو مخصصاً للعمل كبيت إنتاج يهتم بتطوير الأفكار وكتابتها وإنتاجها. بذلك لا يعود النادي مجرد جهة توفر اسمه أو منشآته لصناع الأفلام، وإنما يصبح شريكاً في صناعة المحتوى نفسه.
وتكشف الخطوة عن تحول أعمق في الطريقة التي تنظر بها الأندية السعودية إلى جماهيرها. فالجمهور لم يعد مجرد مستهلك لتذاكر المباريات أو للمنتجات الرياضية، وإنما أصبح قاعدة يمكن الوصول إليها عبر السينما والمسلسلات والمنصات الرقمية والوثائقيات.
ويمتلك الاتحاد، مثل غيره من الأندية الكبرى، مادة سردية ضخمة: تاريخ طويل، بطولات، نجوم، مدرجات، منافسات، مدن، شخصيات جماهيرية وذكريات تمتد عبر أجيال. تحويل هذه العناصر إلى قصص سينمائية أو تلفزيونية يعني الانتقال من استثمار الجمهور في يوم المباراة إلى بناء علاقة معه طوال العام.
إعادة تعريف الرياضة داخل مشروع الترفيه السعودي كقوة تأثير ناعمة. فالأندية يمكن أن تتحول إلى منصات لإنتاج القصص والصور والرموز
وهنا تكمن أهمية التجربة اقتصادياً وثقافياً. فالفيلم أو المسلسل الناجح يمكن أن يمنح النادي حضوراً لدى جمهور لا يتابع كرة القدم بالضرورة، ويحول اسم النادي من علامة رياضية إلى علامة ثقافية وترفيهية.
الرئيس التنفيذي للاتحاد، دومينجوس أوليفيرا، وصف كرة القدم بأنها إحدى القوى الثقافية المؤثرة في المجتمع، مؤكداً أن طموح النادي يتجاوز ما يحدث داخل الملعب، بينما ترى «تلفاز11» أن الرياضة أصبحت جزءاً من الثقافة والهوية وصناعة ترفيه متكاملة.
لا تأتي تجربة الاتحاد في سوق ناشئة من الصفر. صناعة السينما السعودية شهدت خلال السنوات الأخيرة توسعاً سريعاً، وأصبحت الأفلام المحلية أكثر حضوراً في شباك التذاكر.
وخلال 2025، بلغت إيرادات شباك التذاكر السعودي نحو 920.8 مليون ريال، بزيادة 8.9 في المائة عن العام السابق، مع بيع 18.8 مليون تذكرة وعرض 538 فيلماً. والأكثر دلالة أن الأفلام السعودية نفسها حققت 122.6 مليون ريال من الإيرادات خلال العام، مقابل نحو 56.8 مليون ريال في 2024، بحسب الأرقام التي أوردتها «الشرق الأوسط».
هذه الأرقام تعني أن السوق السعودية لم تعد مجرد سوق استهلاك للمحتوى المستورد، وإنما تتحول تدريجياً إلى سوق قادرة على إنتاج قصص محلية تجد جمهورها، وهو ما يفسر دخول مؤسسات رياضية إلى هذه المساحة.
وتملك «تلفاز11» تحديداً الخبرة التي يحتاج إليها الاتحاد في هذا التحول، فهي تعمل في المحتوى الرقمي والإنتاج السينمائي والتلفزيوني، وتصف نفسها بأنها متخصصة في المحتوى المحلي ذي القابلية للوصول إلى الجمهور الإقليمي والعالمي. كما تمتلك خبرة سابقة في المحتوى الرياضي من خلال إنتاج وثائقي عن نادي الهلال.
الجمهور لم يعد مجرد مستهلك لتذاكر المباريات، وإنما قاعدة يمكن الوصول إليها عبر السينما والمسلسلات والمنصات الرقمية والوثائقيات
الأهم في التجربة أنها تعكس إعادة تعريف للرياضة داخل مشروع الترفيه السعودي. فالأندية لم تعد مجرد مؤسسات تنافسية، وإنما يمكن أن تتحول إلى منصات لإنتاج القصص والصور والرموز التي تعبر الحدود.
وهذا يمنح الرياضة وظيفة إضافية باعتبارها أداة من أدوات القوة الناعمة. فالقصة السينمائية لا تحتاج إلى أن تكون عن مباراة أو بطولة كي تروج للنادي؛ يكفي أن تجعل اسمه جزءاً من عالم الشخصيات والأحداث، ليصبح حاضراً بصورة طبيعية في الوعي الثقافي.
ومن هذه الزاوية، تبدو تجربة الاتحاد أقرب إلى اختبار لنموذج جديد يمكن أن تتبعه أندية أخرى. فإذا نجحت الأفلام والمسلسلات في تحقيق قيمة فنية وجماهيرية مستقلة، فقد تتحول ملكية الأندية لتاريخها وقصصها وشخصياتها إلى أصل اقتصادي وإبداعي قابل للاستثمار.
لكن التحدي سيكون في عدم تحول الأعمال إلى إعلانات طويلة للنادي. فالنجاح، كما يحذر متخصصون في صناعة السينما، يتطلب أن تقف القصة على قدميها كعمل فني وترفيهي قادر على جذب المشاهد حتى لو لم يكن مشجعاً للاتحاد.
وهكذا، تبدو الخطوة السعودية أبعد من مجرد تجربة لنادٍ واحد. إنها جزء من انتقال الرياضة من صناعة نتائج وبطولات إلى صناعة محتوى وهوية وملكية فكرية. وإذا كان الملعب يصنع نجوم كرة القدم، فإن الشاشة قد تصبح المساحة الجديدة التي تصنع صورة النادي وذاكرته وجمهوره.
في هذا النموذج، لا يعود النادي ينتظر أن يتحدث الإعلام عنه، بل يبدأ في صناعة الحكاية بنفسه.