إيران تفرض تعتيما إعلاميا على الأضرار وسط تصعيد التوترات

رغم التوجيهات الصارمة، يواجه النظام صعوبة متزايدة في فرض التعتيم الكامل بسبب انتشار وسائل التواصل الاجتماعي والهواتف الذكية.
الثلاثاء 2026/07/21
دعاية في اتجاه واحد

طهران- أمر مجلس الأمن القومي الأعلى في إيران وسائل الإعلام المحلية بالامتناع عن نشر أي تفاصيل حول الأضرار أو الخسائر الناتجة عن الضربات العسكرية الأخيرة، في محاولة للحفاظ على الروح المعنوية ومنع تسرب معلومات قد تستغلها إسرائيل والولايات المتحدة، وفقاً لمصادر مطلعة على القرار.

ويأتي هذا التوجيه في وقت تشهد فيه إيران تصعيداً عسكرياً مباشراً مع إسرائيل والولايات المتحدة، حيث أدت الضربات المتبادلة إلى حدوث أضرار في مواقع عسكرية ومنشآت بنية تحتية حساسة.

ويحظر القرار الذي صدر خلال اجتماع طارئ للمجلس، بث أي صور أو أرقام أو تقارير ميدانية تتعلق بالخسائر البشرية أو المادية، ويُلزم الإعلام بالتركيز على “الانتصارات” والقدرة على الصمود.

وقال مصدر مطلع على مداولات المجلس، طلب عدم الكشف عن هويته، إن “الأولوية الآن هي الحفاظ على الاستقرار الداخلي ومنع العدو من تقييم حجم الضرر بدقة”.

وأضاف أن التوجيهات تشمل وسائل الإعلام الحكومية والخاصة على حد سواء، مع تهديدات بعقوبات شديدة للمخالفين، بما في ذلك الإغلاق أو الملاحقة القضائية بتهمة “نشر معلومات تضر بالأمن القومي”.

ويعد التعتيم الإعلامي أداة تقليدية للنظام الإيراني في أوقات الأزمات. خلال الاحتجاجات الداخلية أو التوترات العسكرية السابقة، فرضت السلطات قيوداً مشابهة على تغطية الخسائر، مع التركيز على سرديات البطولة والمقاومة.

في السنوات الأخيرة، أدى انتشار الهواتف الذكية بين أكثر من 80 في المئة من السكان إلى تحول المواطن العادي إلى "مراسل ميداني" غير رسمي

وأفاد دبلوماسي غربي في طهران بأن “إيران تحاول السيطرة على السرد الإعلامي لتقليل التأثير النفسي للضربات، خاصة مع تقارير استخباراتية غربية تتحدث عن أضرار ملموسة في برنامجها الصاروخي ومنشآت نووية”.

من جانبها، نفت السلطات الإيرانية رسمياً وقوع خسائر كبيرة، مؤكدة أن دفاعاتها الجوية أسقطت معظم الصواريخ والطائرات المسيرة المهاجمة. ونقلت وسائل إعلام رسمية مثل التلفزيون الحكومي ووكالة فارس أن “العدو فشل في تحقيق أهدافه”، مع التركيز على مشاهد احتفالات وتصريحات قادة الحرس الثوري.

وقال محلل إيراني مقيم في الخارج، فضل عدم الكشف عن هويته لأسباب أمنية، إن “هذا النوع من التعتيم قد يحقق هدفه قصير الأمد داخلياً، لكنه يفقد مصداقية النظام على المدى الطويل، خاصة مع توفر مصادر مستقلة وتقارير وصور من شركات الأقمار الصناعية”.

وتاريخياً، لجأت إيران إلى سياسات مشابهة خلال الحرب العراقية – الإيرانية (1980 – 1988) وفي مواجهات لاحقة مع إسرائيل. ويُشرف مجلس الأمن القومي الأعلى، الذي يترأسه الرئيس ويضم قادة عسكريين وأمنيين رفيعي المستوى، على مثل هذه القرارات تحت إشراف المرشد الأعلى.

ويخشى مراقبون أن يؤدي التعتيم إلى انتشار الشائعات، مما يزيد من التوتر الداخلي. من جهة أخرى، قالت منظمات حقوقية دولية إن مثل هذه التوجيهات تُشكل انتهاكا لحرية التعبير، وتُعيق قدرة الشعب الإيراني على معرفة الحقيقة حول الوضع الأمني والاقتصادي.

وأكد مسؤول إيراني كبير أن “السياسة الإعلامية تهدف إلى حماية المصالح الوطنية في زمن الحرب”، دون الخوض في تفاصيل القرار.

ورغم التوجيهات الصارمة الصادرة عن مجلس الأمن القومي، يواجه النظام الإيراني صعوبة متزايدة في فرض تعتيم إعلامي كامل على الأضرار والخسائر. فقد أصبح انتشار الهواتف الذكية وتطبيقات التواصل الاجتماعي مثل تليغرام وإنستغرام وإكس أداة قوية تتجاوز الرقابة التقليدية، حيث يوثق المواطنون العاديون مشاهد من المدن المتضررة وينشرونها بسرعة قبل أن تتمكن السلطات من حظرها.

وأظهرت مقاطع فيديو وصور منتشرة على نطاق واسع، رغم حملات الحذف السريع، أضراراً في مبانٍ سكنية ومنشآت صناعية في مناطق مختلفة، مما يتناقض مع السرد الرسمي الذي يتحدث عن “أضرار محدودة” أو “هجمات فاشلة”. ويقول ناشطون إيرانيون إن آلاف المستخدمين يلجأون إلى الشبكات الافتراضية الخاصة (في.بي.إن) للالتفاف على القيود الحكومية.

ويُشكل هذا الواقع تحدياً كبيراً للسلطات، التي اعتادت في الماضي على السيطرة شبه الكاملة على وسائل الإعلام التقليدية. ففي السنوات الأخيرة، أدى انتشار الهواتف الذكية بين أكثر من 80 في المئة من السكان إلى تحول المواطن العادي إلى “مراسل ميداني” غير رسمي، مما يجعل فرض السرد الواحد أمراً شبه مستحيل في أوقات الأزمات.

ويرى محللون أن هذا “التسريب الرقمي” قد يؤدي إلى نتائج عكسية، إذ يغذي الشائعات والارتباك داخل المجتمع الإيراني، بينما يوفر للجهات الخارجية مواد خاما تساعد على تقييم حجم الضرر الحقيقي. وفي الوقت نفسه تكثف السلطات جهودها في مراقبة الحسابات النشطة واعتقال بعض المستخدمين الذين ينشرون محتوى “حساسا”.

5