إعلام متعاون ومنسجم.. شرط لترخيص العمل في سوريا

إغلاق موقع "هاشتاغ" في سوريا.. الإعلام المستقل يواجه اختباراً بعد التغيير
الثلاثاء 2026/08/25
المهنية والتعاون

دمشق- أعلن موقع "هاشتاغ" السوري المستقل، توقفه النهائي عن العمل داخل سوريا، بعد أكثر من عقد من النشاط الصحفي. عزا الموقع القرار إلى تصاعد الضغوط الرسمية من وزارة الإعلام ومسؤولين في الملف الإعلامي، إلى جانب تهديدات بالقتل طالت صحفييه وعامليه.

ويأتي هذا الإغلاق في سياق ما بعد سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024، ويطرح تساؤلات عميقة حول مستقبل حرية الصحافة في سوريا الجديدة.

تأسس "هاشتاغ" كموقع إخباري وتحقيقات مستقل، وركز على ملفات حساسة مثل الفساد وتهريب النفط والتجاوزات داخل مؤسسات النظام السابق. واجه الموقع خلال سنوات حكم الأسد المنع والتضييق والتهديدات، واضطر جزء من كادره إلى المغادرة. بعد التغيير السياسي، استمر في خطه النقدي، معتبراً نفسه صاحب حق في معارضة السلطة الحالية كما عارض السابقة. غير أن ملف تجديد التراخيص أصبح نقطة التحول.

وأصدرت وزارة الإعلام فيمارس 2026 تعميماً يمنع عمل "هاشتاغ" و"جسور نيوز" و"الدليل" داخل الأراضي السورية، بذريعة عدم استكمال التراخيص الأصولية من المديرية العامة للشؤون الصحفية والإعلامية، مستندة إلى تعاميم سابقة في 2025.

رفض الموقع القرار جملة وتفصيلاً في بيان رسمي، واصفاً إياه بـ"إجراء تعسفي ذي طابع أمني-سياسي يفتقر إلى أساس قانوني سليم"، ويكشف عن توجه لإعادة إغلاق المجال العام. أكد أنه يحمل ترخيصاً رسمياً سارياً صادراً عن المجلس الوطني للإعلام في عهد النظام السابق، بالإضافة إلى تراخيص في لندن ودبي، وأن الخلل الإداري في الوزارة لا يجوز تحويله إلى جريمة.

وأشار إلى توقيف فريقه ومنعه من تغطية اعتصام في باب توما قبل أيام من القرار، معتبراً ذلك جزءاً من مسار تضييقي متدرج. أعلن آنذاك توقفاً مؤقتاً عن العمل من داخل سوريا مع الاستمرار من الخارج.

بحسب بيان الإغلاق النهائي، لم تكن المشكلة في الأوراق والإجراءات فقط. بعد أشهر من المراجعات، تلقت الإدارة رسالة واضحة بأن "هاشتاغ غير متعاون" مع الوزارة.

ويرى الموقع أن اشتراط "التعاون" يتعارض مع مفهوم الصحافة المستقلة، ويحول الترخيص إلى أداة لمكافأة المنسجمين ومعاقبة المنتقدين. أدت الضغوط إلى توقف نحو 20 صحفياً عن العمل، واستمر ستة متطوعين فقط، قبل أن يتعرض هؤلاء أيضاً لحملات تشهير وتحريض مست كرامتهم وأعراضهم، ومحاولات توقيف وسجن، وصولاً إلى تهديدات بالقتل من أصحاب مصالح ونفوذ وجدوا مكاناً في "المشهد الجديد". أكدت الإدارة أن الحماية أصبحت أولوية، وأن الاستمرار تحت هذه الظروف يهدد حياة الفريق.

ويأتي الإغلاق في سياق أوسع لتنظيم الإعلام بعد التغيير. تسعى الوزارة إلى فرض إطار قانوني على المنصات، محذرة من الملاحقة القضائية لأي متعاون مع المنصات الممنوعة. من جهتها، بررت الإجراءات بضرورة الامتثال للقوانين بعد سقوط النظام، ورصد مخالفات مهنية أو محتوى غير دقيق. لكن منظمات مثل المرصد السوري لحقوق الإنسان رأت في الخطوة تكريساً لنهج الرقابة، وتذكيراً بأساليب النظام السابق في تقييد الأصوات الناقدة. أثارت قرارات آذار جدلاً واسعاً حول ما إذا كانت "تنظيماً" أم إقصاءً.

يحمل إغلاق "هاشتاغ" دلالات أعمق.  يُظهر الحال أن الانتقال من استبداد أمني إلى بيئة حرة يتطلب ضمانات قانونية حقيقية تحمي الصحفيين من التهديدات الشخصية، سواء جاءت من جهات رسمية أو مصالح خاصة. التركيز على "التعاون" بدلاً من المهنية يهدد بإنتاج إعلام موجه، حتى لو اختلفت الشعارات.

ويعكس القرار التوتر بين الحاجة إلى ضبط الفوضى الإعلامية بعد سنوات الحرب والانهيار، والحفاظ على التعددية التي طال انتظارها. المواقع المستقلة مثل "هاشتاغ" لعبت دوراً في كشف الفساد سابقاً، واستمرارها يخدم المساءلة العامة. أما الاعتماد على التهديدات والتضييق فيؤدي إلى هجرة الكفاءات وتقليص التغطية الميدانية، مما يترك فراغاً يملؤه الإعلام الرسمي أو المنصات الخارجية.

وفي ظل استمرار التحديات الأمنية والاقتصادية، يصبح حماية الصحفيين مؤشراً أساسياً على جدية التغيير.