أوتار غزة تعزف أمل الحياة
رغم أجواء الحرب والدمار يواصل أطفال غزة تعلم الموسيقى والعزف داخل معهد إدوارد سعيد الوطني للموسيقى، في محاولة لاستعادة الأمل وتخفيف آثار الصدمات النفسية. وتحولت الآلات الموسيقية إلى مساحة للتعبير والفرح، تؤكد أن الفن يظل حاضرا كرسالة للحياة والصمود.
غزة (فلسطين) - داخل إحدى القاعات في مقر كلية غزة بمدينة غزة، علت أصوات الكمان والعود والغيتار، بينما انشغل عشرات الأطفال بالعزف والتدريب في مشهد يعكس محاولة لاستعادة جانب من الحياة الطبيعية، رغم استمرار الحرب الإسرائيلية وتداعياتها النفسية والاجتماعية.
ونظم معهد إدوارد سعيد الوطني للموسيقى الفعالية ضمن سلسلة من البرامج الموسيقية التي ينفذها في مدينة غزة وقرية الزوايدة وسط القطاع، بهدف مواصلة التعليم الموسيقي وتوفير الدعم النفسي للأطفال المتضررين من الحرب.
ويقول منسق الأنشطة ومدرس الموسيقى في المعهد فؤاد خضر، لوكالة أنباء شينخوا، إن هذه الأنشطة تأتي في إطار جهود المعهد لمواصلة برامجه الموجهة للأطفال رغم الظروف الراهنة.
ويضيف أن الموسيقى توفر للأطفال مساحة للتعبير عن أنفسهم، وتساعدهم على التخفيف من الضغوط النفسية واستعادة جانب من حياتهم الطبيعية، مشيرا إلى أن المعهد واصل أنشطته خلال فترات النزوح في الزوايدة، قبل استئنافها في مقر كلية غزة مع توفر الإمكانات.
ويوضح خضر أن الإقبال على الأنشطة الموسيقية يعكس حاجة الأطفال إلى مساحات للتعبير عن مشاعرهم والتفاعل مع أقرانهم بعد أشهر من النزوح والانقطاع عن الكثير من الأنشطة التعليمية والثقافية.
في المقابل يؤكد أن استمرار البرامج الموسيقية يواجه تحديات كبيرة، أبرزها النزوح المتكرر وتدمير مقر المعهد، قائلا إنه اضطر إلى النزوح أكثر من 25 مرة، وهو ما تسبب في تشتت البرنامج وصعوبة التواصل مع الطلبة، قبل إعادة استئناف الدروس كلما سمحت الظروف.
ويشير إلى أن تدمير مقر المعهد أدى أيضا إلى فقدان عدد كبير من الآلات الموسيقية، ما شكل تحديا إضافيا أمام استمرار العملية التعليمية.
من جانبه يقول مدرس آلة الغيتار في المعهد أحمد أبوعمشة إن الموسيقى تحولت خلال الحرب من نشاط فني إلى وسيلة للدعم النفسي للأطفال الذين تعرضوا لصدمات متكررة.
ويضيف أن العديد من الأطفال لم يكونوا يتحدثون أو يتفاعلون مع المجتمع بسبب ما مروا به، إلا أن مشاركتهم في جلسات العزف والعلاج بالموسيقى أسهمت تدريجيا في تحسن حالتهم النفسية، بعد معاناتهم من آثار مشاهد القصف والدمار.
ويرى أبوعمشة أن الموسيقى لم تساعد الأطفال فحسب، بل خففت أيضا الضغوط النفسية التي يعيشها المدرسون، مضيفا “منذ اللحظة الأولى التي عدت فيها إلى عزف الموسيقى أثناء الحرب، نسيت للحظات كل ما نمر به”.

ويعتبر أن الفن يمثل رسالة للحياة في ظل الظروف الراهنة، قائلا “نحن لا نزال على قيد الحياة، ولا نزال نعزف ونغني، ولا يزال هناك أمل”.
وكان الجيش الإسرائيلي قد قصف في الأيام الأولى من الحرب في أكتوبر 2023 المقر الرئيسي لمعهد إدوارد سعيد الوطني للموسيقى في مدينة غزة، الواقع في الطابق الأرضي من مبنى الإسعاف التابع لجمعية الهلال الأحمر الفلسطيني في حي تل الهوى، ما أدى إلى تدمير المقر وعدد من الآلات الموسيقية.
ورغم ذلك يؤكد أبوعمشة أن المدرسين واصلوا الأنشطة التعليمية كلما توفرت الإمكانات، مضيفا “كل ما كنا نفكر فيه هو إسعاد الأطفال ورسم الابتسامة على وجوههم، فنحن نعالج الأطفال بالموسيقى ونعالج أنفسنا أيضا”.
وتقول الطالبة مرام أحمد (16 عاما)، التي تعزف على آلة العود، إن الحرب فرضت تحديات كبيرة تمثلت في النزوح المتكرر ونقص الاحتياجات الأساسية، إلى جانب الآثار النفسية الناجمة عن مشاهد الدمار، مضيفة “نحاول أن نحول هذا الواقع الصعب إلى مساحة تمنحنا الأمل والسعادة، نحن لا نستطيع أن نوقف القصف والموت، لكننا نستطيع أن نعزف للسلام والحياة والحب”.
وتشير إلى أنها تحرص على عزف الأغاني التراثية الفلسطينية للحفاظ على الموروث الموسيقي والفلكلوري، في ظل ما تعرضت له مواقع أثرية وثقافية من دمار خلال الحرب.
أما الطالبة حنان غزال (12 عاما) فتقول إنها اتجهت إلى تعلم الموسيقى بحثا عن مساحة تمنحها شعورا بالأمان وسط ظروف الحرب، معربة عن أملها في تطوير موهبتها رغم محدودية الفرص التعليمية والأنشطة في قطاع غزة.
وتتمنى الطالبة زينة سعدالدين (12 عاما) أن يعيش أطفال غزة حياة آمنة مثل أقرانهم في مختلف أنحاء العالم، قائلة “نتمنى أن نعيش في أمان، وأن نستطيع الذهاب والعودة من دون خوف”.
من جهتها، تقول الأخصائية النفسية تحرير صافي إن الموسيقى تمثل إحدى الوسائل المساندة للتخفيف من الآثار النفسية للحرب على الأطفال، من خلال توفير مساحة للتعبير عن المشاعر والتعامل مع الصدمات.
وتضيف أن الأنشطة الفنية تساعد الأطفال على التعبير عن مشاعرهم والتخفيف من التوتر والقلق، كما تسهم في تعزيز شعورهم بالأمان والاستقرار النفسي، رغم الظروف التي يعيشها قطاع غزة.
ويرى مختصون أن الأنشطة الثقافية والفنية، رغم محدودية الإمكانات، تمثل إحدى الوسائل المساندة للتخفيف من الآثار النفسية التي تخلفها الحرب للأطفال وتعزيز قدرتهم على التكيف مع الظروف الاستثنائية.